الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page
 

 

عودة

 

مشاريع التسوية السلمية للقضية الفلسطينية

 

مقدمة:

يحمل مصطلح التسوية السلمية معنى محاولة فض النـزاع بين طرفين أو أكثر حول القضية مثار الخلاف بالطرق السلمية، وعادة ما تتم بقبول الأطراف لحلٍّ يوقعون عليه، ويلتزمون بتنفيذه، بناء على اتفاقية محددة. وليس شرطاً أن تكون التسوية السلمية "عادلة" أو حلاًّ "وسطاً"، إذ إنها تعكس في كثير من الأحيان موازين القوى، وحالات الانتصار والهزيمة، والضغوط الداخلية والخارجية. كما أن التسوية السلمية ليست بالضرورة حلاًّ دائماً، إذ قد تلجأ إليها القوى المتصارعة لأخذ فسحة من الوقت بانتظار تغير الظروف إلى الأفضل، من أجل فرض تسويات جديدة تعكس تَغيُّر موازين القوى.

 

ولكن هذا المصطلح قد يكون مُضللاً عندما يتعلق بالشأن الفلسطيني، إذ إن معظم مشاريع التسوية السلمية تكون عادة بين دول مختلفة متحاربة، أو بين أطراف داخلية متنازعة من أبناء الوطن الواحد. أما المعاهدات التي تنتزعها قوى منتصرة نتيجة احتلالها لأرض شعب آخر وتشريد أهله واستغلال خيراته، فهي معاهدات بين غاصب محتل وبين شعب مقهور، وهي تعكس حالة استسلام من الطرف الضعيف إلى الطرف الأقوى. وهي بالتالي ليست صراعاً حدودياً أو إسقاطاً لنظام حكم ...، وإنما هي حالة استعمارية تكون أي تسوية فيها مهما كانت .. تسوية ظالمة لأهل الأرض المحتلة، لأنها بالضرورة ستنتقص ولو جزءاً من أرضهم، أو حريتهم في تقرير مصيرهم، أو سيادتهم التامة على دولتهم. ولذلك، فإن من عادة الحركات الوطنية في البلدان المستَعْمَرة الكفاح من أجل حريتها واستقلالها، وإذا ما حدثت مفاوضات واتفاقات فإنها لا تعطي للقوى الغاصبة حقاًّ في الأرض نفسها، وإنما قد توافق مرحلياً - بانتظار تحسن الظروف - على بعض الأمور التي قد تنتقص من حريتها وسيادتها كوجود قواعد عسكرية أو شروط اقتصادية مجحفة أو تحكُّم المستعمر بالشئون الخارجية.

 

إن أول ما يجب التنبيه إليه أن الوجود الصهيوني - اليهودي في فلسطين هو حالة استعمار واغتصاب بالقهر والقوة، وليس نزاعاً بين بلدين متجاورين. وإن جوهر القضية أن القوى الكبرى (وبالذات بريطانيا وأمريكا ..) قد سعت متحالفة مع الصهيونية العالمية لإيجاد كيان يهودي في فلسطين - قلب العالم العربي والإسلامي - يمتلك آليات القوة والتوسع، ويكون سيفاً مسلطاً على رقاب المسلمين في المنطقة يمنع وحدتهم ويضمن ضعفهم وتخلفهم، ويحرمهم من شروط النهضة الحضارية، ويبقي منطقتهم مصدراً للمواد الخام وسوقاً للسلع الاستهلاكية الغربية ...

 

وبالتالي، فإن أي مشروع يطرحه الغرب أو الصهاينة - أو يمكن أن يقبلوه - لا بد وأن يشترط بقاء هذا الكيان اليهودي - الصهيوني وقوته وازدهاره. وهو بالتالي لن يكون عادلاً مهما حصل الفلسطينيون أو العرب والمسلمون من "مكاسب"، لأنها "لن" تضمن استعادة الفلسطينيين لكامل حقوقهم في أرضهم وسيادتهم عليها أو خروج الغاصبين المحتلين. ولذلك، فإن أي حل يمكن أن يقبل به الفلسطينيون والعرب والمسلمون سيكون حلاًّ مؤقتاً، وسيزول بزوال مسبباته (ضعفهم وقوة خصمهم)، ذلك أن عناصر التفجير ستبقى (الإيمان بفلسطينية وعروبة وإسلامية الأرض، والشعور بالظلم..). وكما أن اليهود لن يتركوا عقيدتهم في "أرض الميعاد"، وكما أن الغرب لن يترك أطماعه، فإن العرب لن يتنازلوا عن حقوقهم،كما أن المسلمين لن يتركوا إسلامهم. وعلى هذا فإن أية تسوية "عادلة دائمة" يجب أن تتم بناء على زوال الاحتلال واستعادة الحقوق كاملة، وإلا فإن نُذُر الحرب ستظل تلوح في الأفق.

 

لقد تمت هجرة اليهود إلى فلسطين قهراً ودون موافقة أهل البلاد، وتملكوا الأراضي قهراً، وأنشأوا مؤسساتهم العسكرية والمدنية والاقتصادية قهراً ... تحت الاحتلال البريطاني. وأقاموا الكيان الصهيوني سنة 1948 على 77% من أرض فلسطين قهراً. وكل التسويات السلمية لا تتحدث عن إزالة هذا القهر والعدوان، وإنما في أحسن الأحوال عن "قهر دون قهر"، بما يضمن إعطاء الشرعية لمعظم ما تم اغتصابه.

 

تطور مشاريع التسوية السلمية حتى حرب 1948

ركزت المطالب اليهودية - الصهيونية منذ أواخر القرن 19م على إنشاء وطن لليهود في فلسطين، ولم يُجمع اليهود أو الحركة الصهيونية على تحديد دقيق لحدود الدولة اليهودية المقترحة. لكن الأطماع وصلت بمؤسس المنظمة الصهيونية العالمية وأول رئيس لها "هرتزل" إلى الإشارة في مذكراته أنها ستكون من النيل إلى الفرات ضامة أجزاء كبيرة من مصر وكُلَّ بلاد الشام ومعظم العراق وشمال الكويت والسعودية بما فيها المدينة المنورة وخيبر[1]. وهي تشبه التصور الذي وُجد في خزائن روتشيلد الزعيم الصهيوني البريطاني، الذي أُرسل إليه "وعد بلفور" رسمياً. ولكن "وعد بلفور" تحدث عن "إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين" دونما إشارة إلى حدودها، غير أن الصهاينة فهموا أن ذلك يشمل شرق الأردن. وقد قدَّمت المنظمة الصهيونية العالمية سنة 1919 تصوراً لحدود الوطن القومي اليهودي، يشمل كل فلسطين الحالية وأجزاء من جنوب لبنان تبدأ من ساحل صيدا شرقاً مخترقة الحدود الحالية مع سوريا، ثم تتجه إلى الجنوب ضامة مناطق الجولان، ثم تخترق شرق الأردن على خط سكة حديد الحجاز تقريباً ضامة كُلَّ مناطق الأغوار وإربد وعجلون والسلط والكرك ومعان، وصولاً إلى العقبة على الحدود الحالية مع السعودية، ثم تتجه شمالاًَ باتجاه العريش على البحر الأبيض المتوسط ضامّة أجزاء من شبه جزيرة سيناء المصرية. واعتبرت الحركة الصهيونية ذلك تصوراً واقعياً يلبي الاحتياجات الضرورية لإنشاء الوطن اليهودي[2].

 

وحتى احتلال البريطانيين لفلسطين سنة 1918، لم يكن هناك ما يمكن التفاوض عليه، فاليهود كانوا 55 ألفاً أي 8% من السكان ولا يملكون أكثر من 2% من أرض فلسطين. وعندما أخذ المشروع اليهودي - الصهيوني في النمو في فلسطين بدرجة خطيرة، خصوصاً في الثلاثينيات من القرن العشرين، وعندما قام أبناء فلسطين بالثورات تلو الثورات دفاعاً عن أرضهم واستقلالهم، وعندما وجد الاحتلال البريطاني نفسه أمام مأزق الاستمرار في المشروع الصهيوني، وبالتالي إلحاق خسائر باهظة به في الجنود والأموال نتيجة الثورات التي ربما تؤدي إلى خروجه كمستعمر وإسقاط المشروع الصهيوني نفسه، فإن البريطانيين فضلوا التفكير في حلول "وسط" تضمن إنشاء كيان يهودي ولو على أجزاء من فلسطين ...، ومنذ تلك الفترة كرَّت سلسلة مشاريع واقتراحات التسوية اليهودية والعربية والدولية والتي تجاوزت بضعة مئات إلى وقتنا هذا. وسوف نستعرض هنا المشاريع التي اتخذت طابعاً جدِّياً ولقيت تطبيقاً أو اهتماماً من الأطراف المختلفة، أو شكَّلت تطوراً في المواقف السياسية لمختلف الأطراف.

 

مشروع بيل لتقسيم فلسطين سنة 1937[3]:

بيل Peel هو اسم رئيس اللجنة الملكية التي عينتها الحكومة البريطانية سنة 1936 نتيجة المرحلة الأولى من الثورة الكبرى التي حدثت في ذلك العام والتي أجبرت بريطانيا لأول مرة على إعادة النظر في مشروعها الاستعماري - الصهيوني في فلسطين. وقد وصلت اللجنة إلى فلسطين في 12 نوفمبر 1936 واستمرت تحقيقاتها ستة أشهر، وقدمت تقريرها وتوصياتها في 7 يوليو 1937 في مجلد من أكثر من 400 صفحة يُعدُّ في حد ذاته مرجعاً في تاريخ فلسطين الحديث، على الأقل من وجهة النظر البريطانية.

وقد توصلت اللجنة إلى حقيقة تعارض صك الانتداب البريطاني على فلسطين، الذي يتعهد بمساعدة الشعب الموضوع تحت الانتداب (الفلسطينيون) على ترقية نفسه والوقوف على قدميه، ويتعهد في الوقت نفسه بوضع فلسطين تحت ظروف تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي. واعترفت اللجنة أن الفلسطينيين قادرين على حكم أنفسهم بأنفسهم، وكذلك اليهود. ورأت أن استمرار الانتداب يعني استمرار الثورة والاضطراب. ولذلك أوصت بتقسيم فلسطين إلى دولتين: دولة يهودية تتضمن جميع مناطق الجليل ومرج ابن عامر في شمال فلسطين (بما فيها صفد وطبريا وبيسان وحيفا وعكا ..) والسهل الساحلي الممتد من شمال فلسطين إلى نحو 25 كيلومتر جنوبي تل أبيب، أما مناطق القدس وبيت لحم والناصرة مع ممر يصل القدس بيافا فتبقى تحت الانتداب. ويتم توحيد باقي أرض فلسطين مع شرق الأردن.

 

وقد رفض الفلسطينيون بشكل مطلق هذا المشروع، واستأنفوا بشكل أشد وأعنف المرحلة الثانية من الثورة الكبرى. أما اليهود، فقد رفضت قيادة الحركة الصهيونية ما قالته لجنة بيل من أن الانتداب غير عملي، كما رفضت الحدود المقترحة، لكنها فوضت لجنتها التنفيذية للدخول في مفاوضات مع بريطانيا للتحقق من خطة التقسيم، ثم إحالتها إلى مؤتمر صهيوني جديد لإصدار قرار بشأنها[4].

 

الكتاب البريطاني الأبيض مايو 1939[5]:

واشتهر كذلك باسم كتاب مكدونالد الأبيض على اسم وزير المستعمرات البريطاني مالكوم مكدونالد. وقد صدر هذا الكتاب بعد أن اشتعلت الثورة في فلسطين مرة أخرى بشكل أكثر قوة وعنفاً، وتمكنت من احتلال الريف الفلسطيني، وشَغَلَت قواتٍ بريطانية ضخمة في قمعها وسحقها، في وقت كانت بريطانيا فيه بأمس الحاجة لقواتها مع تصاعد نُذُر الحرب العالمية الثانية. كما جاء إثر التقرير السلبي للجنة وودهيد التي عينتها بريطانيا لبحث التطبيقات العملية لمشروع التقسيم الذي قدمته لجنة بيل، وكذلك بعد فشل مباحثات مؤتمر لندن بين الوفود العربية وبريطانيا واليهود (فبراير - مارس 1939). ويبدو أن الآراء وسط البريطانيين أخذت تتزايد - نتيجة الثورة - بأن فلسطين لم تعد تستطيع أن تستوعب أكثر مما استوعبت من اليهود وإلا أخلَّت بحقوق غير اليهود، وأن بريطانيا وفَّت إلى هذا الحد بما عليها تجاه وعد بلفور. واعترف مكدونالد وغيره بقوة حجة العرب ومظلمتهم. وكانت أبرز نقاط هذا الكتاب، الذي تعهدت بريطانيا بتنفيذه بغضِّ النظر عن قبول العرب واليهود أو رفضهم:

1. أكد أن بريطانيا غير عازمة على إقامة دولة يهودية في فلسطين.

2. سوف تقام بعد عشر سنوات دولة فلسطينية، يتقاسم فيها العرب واليهود المسئولية والسلطة بما يحقق مصالح الطرفين.

3. تحديد الهجرة اليهودية خلال الخمس السنوات التالية بعشرة آلاف مهاجر سنوياً بالإضافة إلى 25 ألفاً يسمح لهم فوراً بالهجرة. وبعد هجرة هؤلاء (الـ75 ألفاً) تتوقف الهجرة اليهودية، ولا تتم إلا بموافقة العرب، وبشرط ألا يزيد اليهود عن ثلث السكان.

4. وقف بيع الأرض نهائياً لليهود في فلسطين إلا في مناطق محددة، وضمن شروط لا تضر بالفلسطينيين حسب رأي المندوب السامي البريطاني.

 

شكَّل هذا الكتاب انتصاراً سياسياً مرحلياً للعرب، لكن معظم القيادة الفلسطينية رفضت المشروع لشكِّهم أساساً في حقيقة الوعود والنوايا البريطانية، ولأنه ربط استقلال فلسطين بمدى موافقة اليهود وتعاونهم، وليس مثلاً بمجلس تشريعي منتخب، مما يعني عملياً تعطيل الاستقلال. كما أن الكتاب لم يَعِد بإصدار عفو عام على الثوار. ورأى الفلسطينيون أنه ما دامت بريطانيا مُصرَّة على تنفيذ المشروع، فليس من الحكمة الموافقة المبكرة عليه، والزمن كفيل بكشف مدى جديتها[6].

 

أما الصهاينة فأصيبوا بانتكاسة وصدمة كبيرة، واتهموا بريطانيا بخيانتهم، وقرروا إسقاط الكتاب الأبيض بأي ثمن، وهاجمت بعض عصاباتهم القوات البريطانية داخل فلسطين. لكن الصهاينة كانوا مضطرين للوقوف مع بريطانيا - على أي حال- في الحرب العالمية الثانية، ولذلك قال زعيمهم في فلسطين (بن جوريون): "سنحارب مع بريطانيا في هذه الحرب كما لو لم يكن هناك كتاب أبيض، وسنحارب الكتاب الأبيض كما لو تكن هناك حرب"!![7]

مشروع تقسيم فلسطين حسب قرار الأمم المتحدة 181 لسنة 1947:

استغل اليهود الصهاينة أجواء الحرب العالمية الثانية استغلالاً كبيراً، وسعوا إلى استثمار التعاطف الذي نشأ بسبب المذابح التي ارتكبها هتلر ضدّهم، والتي تم تضخيمها وتهويلها بشكل عظيم، مؤكدين أن لا بديل لنجاتهم إلا بإقامتهم في وطن قومي خاص بهم. وحوَّل اليهود مركز نفوذهم إلى القوة العظمى الصاعدة الولايات المتحدة، وحصلوا على دعم الحزبين الجمهوري والديموقراطي لإلغاء الكتاب البريطاني الأبيض لعام 1939. وأظهر الرئيس الأمريكي الجديد "ترومان" تعاطفاً أكبر مع الصهيونية. وفي جو من الضغط الأمريكي - اليهودي والضعف العربي، قام البريطانيون بالتخلي رسمياً عن الكتاب الأبيض في البيان الذي أصدره وزير الخارجية بيفن Bevin في 14 نوفمبر 1945. وتشكلت لجنة أنجلو - أمريكية (بتوصية من بيان بيفن) للتحقيق في قضية فلسطين، مما أدخل أمريكا بشكل مباشر في القضية، وقد أوصت اللجنة بهجرة مائة ألف يهودي، وبحرية انتقال الأراضي وبيعها لليهود[8].

 

وعرضت بريطانيا في مؤتمر لندن 10 سبتمبر - 2 أكتوبر 1946 مشروعاً اتحادياً "مشروع موريسون" ويتضمن تقسيم فلسطين لأربعة مناطق إدارية:

          1. منطقة يهودية                                  2. منطقة عربية

          3. القدس                                          4. النقب

 

بحيث تمنح المنطقتان العربية واليهودية استقلالاً ذاتياً. وقد رفض العرب المشروع وأسقطوه[9].

 

بعد ذلك، قررت بريطانيا أن ترفع قضية فلسطين إلى الأمم المتحدة بحجة أنها قررت إنهاء انتدابها على فلسطين[10].

 

فدعت في 2 إبريل 1947 الأمم المتحدة لعقد دورة استثنائية. وبعد مناقشات مسهبة قررت الجمعية العامة في 15 مايو 1947 تأليف اللجنة الخاصة للأمم المتحدة بشأن فلسطين (انسكوب UNSCOP) وتألفت من 11 دولة هي: استراليا - كندا - تشيكوسلوفاكيا - جواتيمالا - الهند - إيران - بيرو - السويد - الأورجواي - يوجوسلافيا - هولندا. ومهمة اللجنة التحقيق في قضية فلسطين، ورفع تقرير للجمعية العامة وتقديم الاقتراحات التي تراها ملائمة لذلك. وعقدت الانسكوب 16 اجتماعاً عاماً، و36 اجتماعاً خاصاً بين 26 مايو و31 أغسطس 1947، واستمعت لبيانات سلطات الانتداب البريطاني وشهادات العرب واليهود. وأقرَّت في تقريرها أن العرب أكثر من ثلثي السكان وأنهم يملكون ما يزيد على 86% [النسبة الحقيقية أكبر وهي 93.5%]من أرض فلسطين، وأنهم بموجب حقهم الطبيعي القانوني توَّاقون للحصول على استقلالهم الناجز.

 

وتضمن تقرير اللجنة توصيات وافق عليها أعضاؤها بالإجماع وهي: إنهاء الانتداب البريطاني، واستقلال فلسطين على أن تسبق ذلك مرحلة انتقالية، تكون السلطة في أثناءها مسئولة أمام الأمم المتحدة، مع بقاء الصبغة الدينية للأماكن المقدسة.

 

وانقسم الأعضاء في تفصيلات النقاط الأخرى فانقسموا إلى أكثرية قدمت المشروع التالي:

1. تقسيم فلسطين إلى دولتين يربط بينها اتحاد اقتصادي.

2. تكون الدولة العربية على مساحة 42.88% من المساحة لأرض فلسطين ويسكنها 725 ألف عربي و10 آلاف يهودي.

3. تكون الدولة اليهودية على مساحة 56.74%، وسكانها 498 ألف يهودي و497 ألف عربي.

4. يوضع للقدس كيان مستقل خاضع لنظام دولي خاص، تتولى الأمم المتحدة إدارته عبر مجلس وصاية (القدس والبلدان المجاورة حتى أبو ديس شرقاً وبيت لحم جنوباً وعين كارم غرباً) وتضم 105 آلاف عربي و100 ألف يهودي.

 

أما اقتراح الأقلية فقدمته إيران والهند ويوجوسلافيا، وتضمّن إقامة دولة اتحادية عاصمتها القدس، تضم حكومتين مستقلتين استقلالاً داخلياً.

 

وامتنعت استراليا عن تأييد أيٍّ من الاقتراحين.

 

وفي 3 سبتمبر 1947 جعلت الأمم المتحدة من نفسها لجنة خاصة لبحث المشروعين، حيث عقدت 34 اجتماعاً بين 25 سبتمبر و25 نوفمبر 1947. ورفضت الجمعية العامة اقتراحاً بدعوة محكمة العدل الدولية لتقرير صلاحية الأمم المتحدة في النظر في تقسيم فلسطين بأغلبية 25 ضد 18 وامتناع 11. وبالعكس صوتت 21 دولة مقابل 20 على أن للأمم المتحدة صلاحية التوصية بتطبيق قرار التقسيم، دون حاجة لموافقة أكثرية شعب فلسطين!! وتعكس حالة التصويت هذه مخالفة الأمم المتحدة لأبرز مواثيقها التي قامت على أساسها، وهي حق الشعوب في تقرير مصيرها. وهذا انعكاس طبيعي لنفوذ الدول الكبرى، وعدم عضوية أغلبية دول العالم الإسلامي وإفريقيا في ذلك الوقت في الأمم المتحدة، لأنها كانت ما تزال تحت الاستعمار، مما يجعل للدول الغربية ومن يدور في فلكها فرصة أكبر للنجاح في التصويت.

 

وفي 25 نوفمبر 1947 وافقت اللجنة الخاصة على خطة التقسيم مع وحدة اقتصادية بـ25 صوتاً مقابل 13 وامتناع 17. واختلف مضمون القرار بأن أنقص من المنطقة المخصصة للدولة اليهودية بجعله يافا وحوالي 500 ألف دونم من صحراء النقب من نصيب الدولة العربية لتصبح النسب 54.7% للدولة اليهودية (14400كم2)، و44.8% للدولة العربية (11780كم2) ونحو 0.5% لمنطقة القدس. ورُفع الأمر للجمعية العامة لاتخاذ قرار يحتاج إلى أغلبية الثلثين الحاضرين المشتركين في التصويت. ولم تكن القوى الكبرى تملك أغلبية الثلثين، وكاد في يوم 26 نوفمبر أن يحدث تصويت، ولو تم لسقط مشروع التقسيم، لكن رئيس الجمعية مندوب البرازيل أجَّل الجلسة. وقام اليهود والأمريكان بحملة محمومة نجحت بمختلف الوسائل في زيادة الأصوات المؤيدة، فقد استلمت زوجات ممثلي أمريكا اللاتينية هدايا كثيرة معظمها ألماس ومعاطف فرو ثمينة. وأَمَرت حكومة هايتي (التي كانت قد صوتت ضد التقسيم) مندوبها بالتصويت معه، بعد أن وعدتها أمريكا بالمساعدة الاقتصادية. واستخدم رجل الأعمال الأمريكي روبرت ناثان نفوذه الاقتصادي لشراء صوت جواتيمالا، وهدّدت شركة فايرستون ليبيريا اقتصادياً إن لم تتحول من الامتناع إلى التأييد، وتعرضت الفليبين لضغوط شديدة، وتدخل رئيس جمهوريتها، فأمر مندوبه بالموافقة على القرار. ووفق هذه الألعاب القذرة تم تقرير مصير أحد أقدس وأطهر البقع في الأرض. تُرى ما هو المنطق في أن يتقرر مصير شعب مسلم وأرض مقدسة بناء على أن زوجة فلان من أمريكا اللاتينية حصلت على طقم ألماس أو معطف فرو!! أو لأن ليبيريا تخشى نفوذ شركة أمريكية!!

 

وفي يوم 29 نوفمبر 1947 فاز قرار التقسيم بأغلبية 33 مقابل 13 وامتناع 10 (وكانت بريطانيا ضمن الممتنعين عن التصويت!!).

 

إن قرار الأمم المتحدة هذا من أغرب القرارات الدولية فقد:

1.  صدر مخالفاً لأحد أهم أهداف المنظمة الدولية وهو حق الشعوب في تقرير مصيرها.

2.  يفتقر إلى أي سند قانوني، فالجمعية العامة لا تملك سلطة التصرف في شئون الأقاليم الموضوعة تحت الانتداب، ومنها فلسطين. فقد أنشأت الأمم المتحدة نظام "الوصاية" وكان عليها أن تدخل في مفاوضات لوضع فلسطين تحت الوصاية، وتقرر إنهاء الانتداب على فلسطين، إذا كان قد حقق أهدافه في تهيئة البلد للاستقلال.

3.  ليس في ميثاق الأمم المتحدة أو أي هيئة رئيسية فيه سلطة تقسيم إقليم محدد دولياً خلافاً لرغبة سكانه.

4.  هذا القرار يعد في الفقه الدولي - السائد في حينه - توصية غير ملزمة، صدرت وفق المادة العاشرة من ميثاق الأمم المتحدة، وهي لا يمكن أن تمس الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني.

5.  قرار التقسيم - جدلاً - مخالف للعدل في التوزيع فلا هو راعى نسبة ملكية الأراضي (اليهود لا يملكون أكثر من 6.5%) ولا هو راعى نسبة السكان (اليهود 31.7%).

 

ورغم ذلك فإن مشروع التقسيم هذا قد اتخذ هالة كبيرة وقوة عملية لأنه يخدم الجانب اليهودي وأهداف القوى الكبرى. ومن الجدير بالذكر أن الاتحاد السوفييتي أيَّد هذا القرار بقوة وعبأ أنصاره باتجاهه. ورغم أن اليهود بذلوا جهد المستميت لإنجاح القرار واستقبلوه بفرحة عارمة، إلا أن الكيان الصهيوني لم يعترف مطلقاً "بشكل رسمي" بهذا القرار، وتعامل معه كأمر واقع ومسألة إجرائية. وسعى بعد ذلك إلى تجاوزه بشن الحملات الحربية التي وسعت كيانه إلى 77% نتيجة حرب 1948، (وإلى احتلال كامل فلسطين سنة 1967). وبعد انتهاء حرب 1948، لم تقم الأمم المتحدة أو القوى الكبرى بإلزام الكيان الصهيوني بالعودة للحدود المقترحة في قرار تقسيم فلسطين، وإنما سعت إلى تثبيت الحدود الجديدة وفق اتفاقيات هدنة عُقدت بين الجانب "الإسرائيلي" مع مصر في 24 فبراير 1949، ثم لبنان في 23 مارس ثم الأردن في 3 إبريل ثم سوريا في 20 يوليو 1949. وتعاملت القوى الغربية والعظمى مع الأراضي التي ضمها الكيان الصهيوني إليه بالقوة في أثناء الحرب بوصفها جزءاً لا يتجزأ من هذا الكيان. وهذا يظهر لامبالاة حقيقية بموضوع الحقوق وقرارات الأمم المتحدة عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين والعرب والمسلمين.

 

مشاريع التسوية السلمية 1948 - 1967:

كان القاسم المشترك لمشاريع التسوية في هذه المرحلة هو التعامل مع قضية فلسطين بوصفها قضية لاجئين، أي الشق الإنساني من الموضوع وليس السياسي. ففي 11 ديسمبر 1948 وبناء على مشروع بريطاني وافقت الأمم المتحدة على إصدار القرار 194 القاضي بوجوب السماح بالعودة للاجئين الفلسطينيين الراغبين في العودة إلى بيوتهم في أقرب وقت ممكن، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى بيوتهم، وأن يتم تعويض أي مفقود أو مصاب بضرر من الجهة المسئولة عن ذلك. ويعني قرار العودة هذا أن:

1. العودة حق واجب التنفيذ.

2. وهي تتوقف على الاختيار الحر للاجئ.

3. وهي حق طبيعي وليس منّة من أحد.

4. ولا يجوز لأحد منع هذا الحق أو حجبه.

5. وأن عودته إلى وطنه هي عودة مواطن له كامل الحقوق المدنية والسياسية[11].

 

ومن الجدير بالذكر أن قرار حق العودة هذا قد جرى التأكيد عليه سنوياً في اجتماعات الأمم المتحدة، وصدر أكثر من 110 مرات حتى الآن، مع رفض "إسرائيلي" مستمر لتنفيذه، ودون أن تتحرك الأمم المتحدة بأي خطوة عملية لإلزام الكيان الصهيوني به. وقد كان قد تم تشريد 800 ألف فلسطيني من أصل 920 ألف كانوا يسكنون المنطقة التي استولى عليها الصهاينة. ويبلغ عدد هؤلاء الفلسطينيين نحو خمسة ملايين و100 ألف تقريباً (حسب سنة 2001).

 

وفي الوقت نفسه لم يستطع الفلسطينيون إنشاء الدولة العربية الخاصة بهم، إذ قام الأردن بضم الضفة الغربية رسمياً إليه بتاريخ 11 إبريل 1950، كما قامت مصر بوضع قطاع غزة تحت إدارتها.

 

وقد تضمن القرار 194 نفسه مادة تنص على تشكيل لجنة توفيق ومصالحة[12]بين الكيان الصهيوني والدول العربية. وتشكلت اللجنة من الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا، ودعت اللجنة في أواخر 1949 الكيان الصهيوني لقبول عودة 100 ألف لاجئ فلسطيني مقابل الحصول على صلح مع العرب، لكن الكيان الصهيوني رفض ذلك بشكل قاطع. وتعاونت الدول العربية مع لجنة المصالحة، لكن إصدار الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بيانها الشهير في 25 مايو 1950 بحماية الحدود "الإسرائيلية" القائمة (رغم أنها تحتل مساحة إضافية من فلسطين تقدر بحوالي 23%) كشف النوايا الحقيقية لهذه الدول، مما دفع الدول العربية لرفض مقترحات لجنة المصالحة المتعلقة بترتيبات التسوية مع الكيان الصهيوني. وقد عقدت اللجنة مؤتمراً في لوزان بسويسرا في 26 إبريل 1949 وكان الكيان الإسرائيلي تحت ضغط الحاجة إلى قبوله عضواً في الأمم المتحدة فوافق ووقع على "بروتوكول لوزان" الذي تضمن:

1. أن تكون الخريطة الملحقة بقرار تقسيم فلسطين هي أساس للمحادثات بشأن مستقبل فلسطين.

2. انسحاب "إسرائيل" إلى ما وراء حدود التقسيم.

3. تدويل القدس.

4. عودة اللاجئين وحقهم في التصرف بأموالهم وأملاكهم، وحق تعويض من لا يرغب بالعودة.

 

ولكن ما إن وافقت الأمم المتحدة على عضوية الكيان الإسرائيلي فيها حتى تنكرّت "إسرائيل" لاتفاقية لوزان، ورفضت تنفيذ شروطها. وقد عطَّلت "إسرائيل" أي عمل للجنة متعلقٍ بتنفيذ التقسيم أو عودة اللاجئين. وبدا واضحاً أن الموقف الصهيوني وجد هوى غير معلن لدى لجنة المصالحة التي تعمَّدت التقاعس وإماتة الموضوع، وافتقرت لأدنى درجات الجدية، وسكتت سكوتاً مريباً عن مصادرة الكيان الصهيوني لأراضي اللاجئين وأملاكهم. ومن الجدير بالذكر أن لجنة المصالحة هذه ظلَّت (من الناحية الرسمية) مشكلة لعشرات السنين، وظلّ تقرير الجمعية العامة للأمم المتحدة يأسف سنوياً لعدم تمكن هذه اللجنة من إيجاد الوسائل لتحقيق أي تقدّم بشأن عودة اللاجئين، ويطلب منها أن تبذل جهوداً متواصلة من أجل ذلك (مثلاً قرار ب3419 في 8 ديسمبر 1975).

 

وفي إطار التعامل مع قضية فلسطين كقضية لاجئين أُنشئت "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين وتشغيلهم (الأونروا)" بناء على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 الصادر في 8 ديسمبر[13]. وأخذ يتضح مع الزمن أن مزاج القوى الكبرى العام يتجه نحو إيجاد حلول اقتصادية لمصاعب الحياة التي يواجهها اللاجئون، وتوطينهم حيث استقروا أو في أماكن أخرى، وليس إعادتهم إلى أرضهم أو إعطائهم حقوقهم السياسية في الهوية الوطنية وتقرير المصير والاستقلال.

 

وتوالت المشاريع التي تركز على قضية اللاجئين وعلى تحقيق تسوية بين الدول العربية والكيان الصهيوني، دونما إشارة لإنشاء كيان سياسي فلسطيني. فكان هناك المشروع النرويجي في 26 نوفمبر 1952 الذي دعا إلى توقف الأعمال العدوانية والدخول في مفاوضات مباشرة بين الأطراف المعنية. وكان هناك مشروع "جاما" الأمريكي 1955 - 1956، حيث يذكر مايلزكوبلاند أن روزفلت حصل على موافقة كل من بن جوريون وجمال عبد الناصر على عقد لقاء سرِّي على متن يخت في البحر المتوسط. ولكن عبد الناصر أصَّر أن توافق "إسرائيل" من حيث المبدأ على قبول عودة الفلسطينيين الراغبين في العودة وأن تحصل مصر على ممر يوصلها بالأردن، لكن المشروع فشل لرفض الجانب الإسرائيلي مناقشة أي تنازلات من طرفه. وهناك مشروع جونستون الأمريكي 1953 - 1955 الذي استهدف تصفية قضية اللاجئين وقضية فلسطين، عن طريق تعاون الدول العربية مع الكيان الإسرائيلي في استثمار مياه نهر الأردن بطريقة تكفل تطور المنطقة زراعياً، وتهيئة سبل الاستقرار فيها للاجئين، ولمزيد من المهاجرين اليهود. وقد رفض مؤتمر اللاجئين المنعقد في القدس في 20 مايو 1955 المشروع[14].

 

وهناك مشروع دالاس وزير الخارجية الأمريكي الذي دعا في 26 أغسطس 1955 إلى إنهاء مشكلة اللاجئين بعودتهم إلى وطنهم "إلى الحد الذي يكون ممكناً"، وبتوطين الباقي في المناطق العربية التي يقيمون فيها، ودعا إلى إجراءات جماعية لمنع أي حرب أو عدوان بين دول المنطقة، وإلى تسوية الحدود بين البلاد العربية والكيان الإسرائيلي[15].

 

وتعاونت مصر مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) خلال الفترة 1953 - 1955 في تنفيذ مشروع لتوطين لاجئي قطاع غزة في شمال غرب سيناء، وقد اتخذ المشروع أبعاداً مفصلة وجدية، غير أنه لقي معارضة شاملة وعنيفة من فلسطينيي القطاع، الذين خرجوا إثر الهجمة الصهيونية على القطاع في 28 فبراير 1955 في تظاهرات قوية تطالب بتشكيل جيش تحرير فلسطيني، وإيقاف مشروع شمال غرب سيناء، وإطلاق الحريات ... وتم إسقاط المشروع[16].

 

وفي 9 نوفمبر 1955 طرح رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن مشروعه الذي يدعو إلى الوصول إلى "صيغة تسوية" بين الموقف العربي الذي يطالب بحدود التقسيم عام 1947، والموقف الإسرائيلي المتمسك بحدود الهدنة. ورفضت "إسرائيل" المشروع وقال بن جوريون "إن غزو الدول العربية لأرض فلسطين في حرب 1948 قد جعل كافة قرارات هيئة الأمم المتحدة حول فلسطين لاغية وباطلة بدون أية إمكانية لإعادتها إلى الحياة"[17].

 

وفي 15 يونيو 1959 صدر عن همرشولد الأمين العام للأمم المتحدة مشروع ركز على حل مشكلة اللاجئين بتوطينهم واستيعابهم عبر مساعدة الدول التي يتواجدون فيها اقتصادياً، رغم إشارته إلى حقهم في العودة. وقد رفض الفلسطينيون هذا المشروع بقوة وأقام ممثلوهم في لبنان المؤتمر الفلسطيني الذي عقد في 26 يونيو 1959، والذي رفض تذويب الفلسطينيين في اقتصاديات الشرق الأوسط[18].

 

وفي 2 أكتوبر 1962 قدَّم جوزيف جونسون رئيس مؤسسة "كارنيجي" للسلام العالمي مشروعه لحل مشكلة اللاجئين بعد أن كلفته الحكومة الأمريكية سنة 1961 بدراستها، وأكد في مشروعه على حق اللاجئين الحر بالعودة أو التعويض، مشيراً إلى بعض آليات تنفيذ ذلك[19].

 

أما المشروع العربي الوحيد في تلك الفترة الذي يستحق الإشارة باعتباره اختراقاً للإجماع العربي حول "السلام" مع الكيان الصهيوني، فكان المشروع التونسي الذي قدمه الحبيب بورقيبة رئيس تونس في 21 إبريل 1965 وتضمن:

1. أن تعيد "إسرائيل" إلى العرب ثلث المساحة التي احتلتها منذ إنشائها لتقوم عليها دولة عربية فلسطينية.

2. يعود اللاجئون إلى دولتهم الجديدة.

3. تتم المصالحة بين العرب وإسرائيل بحيث تنتهي حالة الحرب بينهما.

 

وقد رحب الكيان الإسرائيلي بمقترحات بورقيبة بوصفها اتجاهاً جديداً في التفكير العربي، لكنه رفض التنازل عن أي جزء من الأرض التي استولى عليها. وقد قوبلت مقترحات بورقيبة باستهجان ورفض عربي شعبي ورسمي عارم[20].

 

وقد ردَّ "ليفي اشكول" رئيس الوزراء الصهيوني على بورقيبة بمشروع تسوية أعلنه في 17 مايو 1965 مبنيٍ على تثبيت الأوضاع القائمة مع تعديلات طفيفة، ومفاوضات مباشرة وإحلال سلام دائم وتطبيع العلاقات مع البلاد العربية[21].

 

مشاريع التسوية 1967 - 1987:

أفرزت حرب يوليو 1967 حقائق جديدة على الأرض، فقد احتل الصهاينة ما تبقى من فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة)، فضلاً عن سيناء المصرية والجولان السورية. وكانت كارثة بحق، فقد تبخرت ثقة الأنظمة العربية بقدرتها على تحرير فلسطين، كما تبخرت ثقة الجماهير العربية بهذه الأنظمة. وتحوَّل الشغل الشاغل للأنظمة العربية عن تحرير الأرض المحتلة عام 1948 إلى تحرير الأرض المحتلة سنة 1967، أو تحقيق أي تسوية سلمية تضمن "إزالة آثار العدوان"، أي عدوان 1967. وبالتالي تمكَّن الكيان الصهيوني من فرض جدول جديد لمشاريع التسوية، تركَّز على أراضٍ لم تكن محتلة أصلاً بحيث أصبحت هي موضوع المساومة، وليس أرض 1948 التي ضَمن الصهاينة أن تخرج عن دائرة البحث ابتداء. ورغم أن مؤتمر قمة الدول العربية الذي انعقد في الخرطوم في 29 أغسطس 1967 خرج باللاءات الثلاث الشهيرة "لا صلح، لا مفاوضات، لا استسلام"، إلا أن ذلك كان استجابة للحالة النفسية للجماهير العربية المصدومة التي تطالب بالثأر والانتقام، ولم يكن ذلك خطّاً أصيلاً يرفض على أساسه مشاريع التسوية، إذ إن الأنظمة العربية سرعان ما ستتعامل مع هذه المشاريع. كما أنها لن تقوم بتنفيذ خطط عمل استراتيجية تخدم تلك الشعارات المعلنة.

 

وقد أصبحت مشاريع التسوية من الكثرة بحيث يصعب مجرد سردها، غير أن الإطار العام للمشاريع العربية سيتركز على انسحاب الكيان الصهيوني من الأرض المحتلة سنة 1967، والإطار العام للمشاريع الإسرائيلية سيتركز على إنهاء حالة الحرب وإقامة علاقة طبيعية مع البلاد العربية، مع إنكار حقوق الشعب الفلسطيني. أما الإطار العام للمشاريع الدولية فسيحاول الجمع بين الرؤيتين العربية والصهيونية، بحسب الجهة التي تقدم المشروع وطبيعة علاقتها بالطرفين.

 

مشروع آلون[22]:

بعد شهر واحد من حرب 1967 طرح وزير الخارجية الإسرائيلية إيجال آلون مشروعه الذي حظي بشهرة واسعة وتضمنت أفكاره:

1. الحدود الشرقية للكيان الإسرائيلي هي نهر الأردن وخط يقطع البحر الميت من منتصفه.

2. ضم المناطق الغربية لغور الأردن والبحر الميت بعرض بضعة كيلومترات إلى نحو 15 كيلومتراً، وإقامة مستوطنات صهيونية زراعية وعسكرية ومدنية فيها بأسرع ما يمكن، وإقامة ضواحي سكنية يهودية شرقي القدس.

3. تجنُّب ضم السكان العرب إلى الكيان الإسرائيلي قدر الإمكان.

4. إقامة حكم ذاتي فلسطيني في الضفة الغربية في المناطق التي لن يضمها الكيان الإسرائيلي.

5. ضم قطاع غزة للكيان الإسرائيلي بسكانه الأصليين فقط، ونقل لاجئي 1948 من هناك وتوطينهم في الضفة الغربية أو العريش.

6. حل مشكلة اللاجئين على أساس تعاون إقليمي يتمتع بمساعدة دولية. وتقوم "إسرائيل" بإقامة عدة قرى "نموذجية" للاجئين في الضفة وربما في سيناء.

ورغم أن آلون طرح مشروعه على حكومته إلا أنها لم تقم بمناقشته أو تبنِّيه رسمياً. ومع ذلك، فإن هذا المشروع أصبح بعد ذلك أساساً تنطلق منه معظم - أو كل - مشاريع التسوية الإسرائيلية حتى أواخر القرن العشرين مع بعض التعديلات أو الديكورات الطفيفة.

 

قرار مجلس الأمن 242 في 22 نوفمبر 1967[23]:

يعد قرار مجلس الأمن 242 من أهم المشاريع التي لا تزال تستند إليها كافة مشاريع التسوية إلى الآن. وقد قدَّمت بريطانيا هذا المشروع ووافق عليه مجلس الأمن الدولي بالإجماع. وكان مجلس الأمن قد انعقد في الفترة 9 - 22 نوفمبر 1967 واستمرت اجتماعاته 107 ساعات في 32 جلسة، قدمت فيها أربعة مشاريع: سوفييتي وأمريكي وبريطاني، ومشروع قدمته ثلاث دول هي الهند ومالي ونيجيريا.

 

أما نص القرار فنذكره لأهميته ولأنه الأكثر تداولاً حتى الآن:

"إن مجلس الأمن إذ يعرب عن قلقه المتواصل بشأن الوضع الخطر في الشرق الأوسط، وإذ يؤكد عدم القبول بالاستيلاء على أراض بواسطة الحرب، والحاجة إلى العمل من أجل سلام عادل ودائم تستطيع كل دولة أن تعيش فيه بأمن، وإذ يؤكد أن جميع الدول الأعضاء بقبولها ميثاق الأمم المتحدة قد التزمت بالعمل وفقاً للمادة الثانية من الميثاق:

 

أولاً: يؤكد أن تحقيق مبادئ الميثاق يتطلب إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط ويستوجب تطبيق المبدأين التاليين:

أ. سحب القوات الإسرائيلية المسلحة من أراضٍ احتلت في النـزاع الأخير.

ب. إنهاء جميع ادعاءات الحرب أو حالاتها واحترام السيادة والوحدة لأراضي كل دولة في المنطقة والاعتراف بذلك، وكذلك استقلالها السياسي، وحقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها وحرة من التهديد أو أعمال القوة.

 

ثانياً: يؤكد أيضاً الحاجة إلى:

أ. ضمان حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية في المنطقة.

ب. تحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين.

ج. ضمان المناعة الإقليمية والاستقلال السياسي لكل دولة في المنطقة، عن طريق إجراءاتٍ بينها إقامةُ مناطق مجردة من السلاح.

 

ثالثاً: يطلب من الأمين العام تعيين ممثل خاص للذهاب إلى الشرق الأوسط كي يقيم ويجري اتصالات مع الدول المعنية بغية إيجاد اتفاق ومساعدة الجهود لتحقيق تسوية سلمية ومقبولة وفقاً للنصوص والمبادئ الواردة في مشروع القرار هذا.

 

رابعاً: يطلب من الأمين العام أن يرفع تقريراً إلى مجلس الأمن حول تَقدُّم جهود الممثل الخاص في أقرب وقت ممكن".

ومن أبرز عيوب هذا القرار أنه:

-  لا يعيِّن بوضوح الخطوط التي يجب أن ينسحب منها الكيان الإسرائيلي.

-  يُقرُّ للكيان الإسرائيلي ما حازه من توسع غير قانوني قبل حرب 1967.

-  لا يتناول جوهر "النـزاع" وهو قضية فلسطين إلا من زاوية اللاجئين، أي أنه لا يتعرض للحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني.

-  يجعل الانسحاب "الإسرائيلي" رهناً بتحقيق شروط أخرى.

-  تم حذف "ال" التعريف في النص الإنجليزي (The) ليصبح الانسحاب من "أراضٍ" وليس "الأراضي" التي احتلها الصهاينة. بمعنى أن الانسحاب لن يكون بالضرورة شاملاً من كل الأرض. أما النصين الفرنسي والإسباني فقد أبقيا على أداة التعريف، ولذلك ذكرت فرنسا والاتحاد السوفييتي ومالي والهند ونيجيريا قبل الموافقة على القرار أنها تفهم أن الانسحاب سيكون شاملاً. وبالطبع، فإن الكيان الإسرائيلي والأمريكان يرفضون الرجوع إلّا إلى النص الإنجليزي.

 

وفي الفترة 9 - 12 ديسمبر 1981 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة عدة قرارات كان من ضمنها أن قرار 242 لا يؤمن مستقبل الشعب الفلسطيني وحقوقه الثابتة، وأكدت حقه في العودة وتقرير المصير والاستقلال الوطني والسيادة الوطنية .[24].

 

وقد رفضت م.ت.ف وكل المنظمات الفدائية الفلسطينية قرار 242 حين صدوره لأنه يعني "تصفية القضية الفلسطينية تصفية نهائية". كما رفضت سوريا والعراق والجزائر هذا القرار، أما الأردن ومصر فقد وافقتا على القرار[25].

 

وقد عينت الأمم المتحدة جونار يارنج (سفير السويد في موسكو) مبعوثاً خاصاً لها لمتابعة تنفيذ هذا القرار، وقد قام بعدة جولات واتصالات على مدى يزيد عن ثلاث سنوات ..، حيث ركزت المطالب العربية على اشتراط أن أيَّ تسوية سلمية تعني العودة إلى حدود ما قبل حرب 1967 مع عودة اللاجئين. أما الكيان الإسرائيلي فركز على الدخول في محادثات سلام دون شروط مسبقة، كما عرض انسحابات من سيناء بشرط أن تكون منـزوعة السلاح وأن يبقى شرم الشيخ بيده، وعرض انسحابات من أجزاء من الضفة الغربية، لكنه رفض إعادة قطاع غزة والجولان، وأصر على بقاء القدس الموحدة (الشرقية والغربية) جزءاً من الكيان الإسرائيلي، مع رفض إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية. وهذا ما تم عرضه في مشروع إسرائيلي عرف باسم رئيسة وزرائها "مشروع جولدا مائير" في 9 فبراير 1971. وفشلت في النهاية مهمة يارنج، رغم كثرة المشاريع المتبادلة بين الطرفين[26].

 

مشروع روجرز 25 يونيو 1970:

وليم روجرز هو وزير الخارجية الأمريكي، وقد طرح مشروعاً على الأردن ومصر والكيان الإسرائيلي يستند أساساً إلى تنفيذ قرار 242، وإقامة مباحثات للتوصل إلى اتفاق سلام "عادل ودائم" على أساس الاعتراف بالسيادة وسلامة الكيان الإقليمي لكل طرف واستقلاله السياسي.

 

وافقت مصر في 23 يوليو والأردن في 26 يوليو 1970 على مشروع روجرز. وقد رفضته "إسرائيل" في البداية، لكنها عادت تحت الضغط الأمريكي فأبدت موافقة متحفظة في 6 أغسطس 1970. وقد أحدثت موافقة مصر والأردن انشقاقاً في الصف العربي، وهاجمته م.ت.ف وفصائلها الفدائية بشدة لأنه يعني التنازل نهائياً عن هدف تحرير فلسطين وإنكار حقوق الشعب الفلسطيني. غير أن الكيان الإسرائيلي نفسه حاول التهرب وإفشال المشروع لأنه يتضمن انسحاباً من بعض الأراضي، ثم إن الأردن انشغل بتصفية العمل الفدائي في الأردن في سبتمبر 1970، كما توفي جمال عبد الناصر في الشهر نفسه، مما جمّد هذه المبادرة عملياً[27].

 

مشروع المملكة العربية المتحدة 1972:

بعد أن تمكنت السلطات الأردنية من السيطرة تماماً على الأوضاع وتصفية التواجد الفدائي الفلسطيني (أيلول / سبتمبر 1970، وتموز / يوليو 1971)، أعلن الملك حسين في خطاب له في 15 آذار / مارس 1972 مشروع "المملكة العربية المتحدة". وهو مشروع جاء استثماراً من السلطات الأردنية لما بدا انتصاراً على م.ت.ف والفصائل الفلسطينية، وجزءاً من "المعركة" بينهما على تمثيل الفلسطينيين أو جزء منهم.

 

تلخص برنامج "المملكة العربية المتحدة" في أن تتكون هذه المملكة من قطرين فلسطين (الضفة الغربية وأي جزء يتم تحريره أو يرغب بالانضمام) والأردن، ويرتبط القطران بوحدة فدرالية تحت سلطة الملك. وهناك سلطة تنفيذية مركزية يتولاها الملك ومعه مجلس وزراء مركزي. وهناك سلطة تشريعية مركزية يتولاها الملك ومعه "مجلس الأمة" ينتخب أعضاؤه بالاقتراع السرِّي المباشر وبعددٍ متساوٍ من الأعضاء لكل من القطرين. ولكل قُطر حاكم عام من أبنائه ومجلس وزراء قُطري من أبنائه أيضاً، وله سلطة تشريعية خاصة به هي "مجلس الشعب". وللمملكة قوات مسلحة واحدة قائدها هو الملك[28].

 

ولم يكتب لهذا المشروع النجاح، فالضفة الغربية تحت الاحتلال "الإسرائيلي" الذي لا يرغب بالانسحاب. كما كان لـ م.ت.ف والمنظمات الفدائية تواجد وتأييد قوي في الساحة الفلسطينية يمكن أن يعطّل هذا المشروع. وقد رفضت م.ت.ف وكافة فصائلها المشروع الأردني، وعقد المجلس الوطني الفلسطيني لـ م.ت.ف دورة استثنائية في نيسان / إبريل 1972 وانعقد بموازاته مؤتمر شعبي حضره نحو 500 شخص يمثلون بشكل واسع الأوساط الفلسطينية حيث تم رفض المشروع[29].

 

قرار مجلس الأمن 338 (سنة 1973):

أصدر مجلس الأمن هذا القرار في 22 تشرين أول / أكتوبر 1973 والذي على أساسه توقفت حرب تشرين / أكتوبر 1973 التي خاضتها مصر وسوريا ضد الكيان الإسرائيلي. وقد دعا إلى البدء فوراً بتنفيذ قرار مجلس الأمن 242 بجميع أجزائه، وإلى عقد مفاوضات تحت الإشراف الملائم بهدف إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط[30]. ووافقت مصر وسوريا والأردن على القرار، كما وافقت عليه "إسرائيل" بشيء من التحفظ، بينما رفضته م.ت.ف مؤكدة أنها ليست معنية به، وأنها ستتابع الكفاح المسلح والجماهيري "ضد الكيان الصهيوني من أجل تحرير الوطن، وحق شعبنا في تقرير مصيره بنفسه وعلى أرضه"[31].

 

وبناء على قرار 338 فقد انعقد في جنيف مؤتمر السلام للشرق الأوسط في 21 - 22 كانون أول / ديسمبر 1973. وقد وضع الكيان الصهيوني تعقيدات كبيرة في وجه التنفيذ الفعلي للقرار، رغم مشاركته في المؤتمر. وقد شاركت فيه مصر والأردن بينما رفضت سوريا المشاركة. ولم يتمخض عن هذا المؤتمر شيء عملي سوى تشكيل لجنة عسكرية، تولت فك الاشتباك بين القوات المصرية والصهيونية على جانبي قناة السويس[32].

 

الفلسطينيون وحق تقرير المصير في الأمم المتحدة[33]:

شهدت منتصف السبعينيات من القرن العشرين نجاحات دبلوماسية فلسطينية كبيرة على صعيد الأمم المتحدة باتجاه إقرار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وعلى رأسها الحق في تقرير المصير والاستقلال.

 

وكانت الأمم المتحدة قد أشارت لأول مرة للفلسطينيين باعتبارهم شعباً في قرارها 2535/أ،ب،ج الصادر في 10 كانون أول / ديسمبر 1969 عندما ذكرت لأول مرة "حقوق شعب فلسطين الثابتة". وفي نهاية 1970 اعترفت الأمم المتحدة لأول مرة بحق شعب فلسطين في تقرير مصيره، وعدَّت ذلك عنصراً لا غنى عنه في إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط. وقد اتخذ هذا القرار بأكثرية غير كبيرة من 47 ضد 22 وامتناع 50. ثم أخذت قرارات الأمم المتحدة تزداد قوة ووضوحاً وتأييداً عالمياً. كما في القرارين: 2787، و2792/د في 6 كانون أول / ديسمبر 1971، وقرار 2963/هـ في 13 ديسمبر 1972، وقرار 3089/ج، د في 7 كانون أول / ديسمبر 1973.

ويُعدُّ قرار 3210 في 14 تشرين أول / أكتوبر 1974 تطوراً ذا أهمية، إذ اعتبر أن الشعب الفلسطيني هو الطرف الأساسي المعني بقضية فلسطين. وقرّر دعوة م.ت.ف "الممثلة للشعب الفلسطيني للاشتراك في مداولات الأمم المتحدة"، وصوَّت مع القرار أغلبية ساحقة من 105 ضد 4 وامتناع 20. ودُعي أبو عمار ياسر عرفات لإلقاء خطاب م.ت.ف في الأمم المتحدة حيث ألقى كلمته في منتصف تشرين ثاني / نوفمبر 1974، والتي لقيت اهتماماً وتجاوباً عالمياً كبيراً.

 

وصدر إثر ذلك "قرار تاريخي" للأمم المتحدة يحمل رقم 3236 في 22 تشرين الثاني / نوفمبر 1974 بأغلبية 89 صوتاً مقابل 8 وامتناع 37، ويحمل هذا القرار عنوان "حقوق الشعب الفلسطيني" وفيه يؤكد الحقوق الثابتة لشعب فلسطين، وخصوصاً:

-  الحق في تقرير مصيره دون تدخل خارجي.

-  الحق في الاستقلال والسيادة الوطنية.

-  الحق في عودة اللاجئين، والمطالبة بإعادتهم.

-  الاحترام الكلي لحقوق الشعب الفلسطيني، وأنه أمر لا غنى عنه لحل قضية فلسطين.

-  أن الشعب الفلسطيني طرف رئيسي في إقامة سلم عادل ودائم في الشرق الأوسط.

-  حق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكافة الوسائل، وفقاً لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه.

 

وناشد القرار جميع الدول والمنظمات الدولية مدّ يد العون للشعب الفلسطيني لاسترداد حقوقه، كما طلب من الأمين العام للأمم المتحدة أن يقيم اتصالات مع م.ت.ف في كل الشئون المتعلقة بقضية فلسطين.

 

وبموجب قرار الأمم المتحدة 3237 (22 تشرين الثاني / نوفمبر 1974) مُنحت م.ت.ف مركز مراقب دائم في الأمم المتحدة. وفي السنة التالية قررت الجمعية العامة تأليف لجنة من 20 دولة للبحث في ممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه الثابتة وفق قرار 3236 حيث تقوم اللجنة بتقديم تقرير سنوي حول ذلك.

وقد رفضت الجمعية العامة 1979 اعتماد ما جاء في اتفاقية كامب ديفيد المصرية "الإسرائيلية" حول فلسطين. وفي 15 ديسمبر 1980 أصدرت قرارها 35/169 أكدت توصياتها السابقة في قرار 3236، وطالب مجلس الأمن الدولي بوضع جدول زمني لانسحاب الكيان الإسرائيلي من الأرض المحتلة سنة 1967، وتسليم الأرض للأمم المتحدة التي تسلمها بدورها إلى م.ت.ف بالتعاون مع جامعة الدول العربية.

 

وتكمن أهمية هذه القرارات في تحوّل قضية فلسطين من قضية لاجئين إلى قضية شعب له الحق في تقرير مصيره وتحرير أرضه، كما أنها ترفع الشرعية عن اغتصاب الصهاينة للأرض المحتلة سنة 1967 بما فيها القدس، فضلاً عن حق الفلسطينيين في العودة للأرض المحتلة سنة 1948. كما أصبح للفلسطينيين من يتحدث باسمهم باعتراف عربي ودولي باعتباره ممثلهم الشرعي الوحيد (أي م.ت.ف). ورغم أن هذا الأمر قد زاد من "إقليمية" القضية الفلسطينية، إلا أنه جعل هذه القضية عصيَّة على التذويب أو القفز عن حقوق الشعب الفلسطيني وفق أي تسوية قد تشارك بها أطراف عربية أخرى. ثم إن هذه المكاسب السياسية قد حققت تعاطفاً دولياً واسعاً، وعزلت الكيان الصهيوني سياسياً، بالإضافة إلى قطع معظم دول العالم علاقتها به.

 

غير أن قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة لا تعني شيئاً كبيراً، فهي مجرد توصيات، والجهة الوحيدة القادرة على إصدار قرارات ملزمة هي "مجلس الأمن" حيث إن من حق أيٍّ من الدول الكبرى الخمس (الولايات المتحدة، روسيا، بريطانيا، فرنسا، الصين) اتخاذ حق النقض "الفيتو Vito" ضد أي مشروع لا يتوافق مع مصالحها. وعلى ذلك، فقد كان الأمريكان جاهزين دائماً لاتخاذ قرار الفيتو ضد أي قرار يلزم الكيان الصهيوني بأيِّ أمر يراه تنازلاً أو إضعافاً لخططه وبرامجه. وبذلك تظل الأمم المتحدة منبراً دولياً للدعاية والعلاقات العامة أكثر من أيِّ شيء آخر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضية فلسطين.

 

م.ت.ف وبداية المسار السلمي:

كان المطلب الفلسطيني الشعبي والرسمي الذي لا يقبل التنازل أو المساومة هو تحرير فلسطين كاملة من النهر إلى البحر، وإخراج المهاجرين اليهود الصهاينة منها. وقد أخذ هذا الموقف بالتبدل من الناحية الرسمية أو من ناحية متصدري العمل الفلسطيني منذ 1968. إذ عرض أبو إياد صلاح خلف في 10 تشرين أول / أكتوبر 1968 هدف فتح الاستراتيجي وهو إنشاء دولة ديموقراطية في فلسطين يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود في مساواة تامة وتكافؤ كامل. وهو ما تم تبنيه في م.ت.ف في المجلس الوطني الخامس في شباط / فبراير 1969[34]. ويعني ذلك أن الفلسطينيين لم يعودوا يُصّرون على خروج المهاجرين اليهود المعتدين من فلسطين، مهما كان عددهم وسنة هجرتهم، مع إعطائهم حق المواطنة الكاملة فيها.

 

وإثر الخروج الفدائي الفلسطيني من الأردن، والأوضاع المحلية والدولية بعد حرب تشرين / أكتوبر 1973، أقر المجلس الوطني الفلسطيني برنامج النقاط العشر "البرنامج السياسي المرحلي" في دورته الثانية عشر في 1 - 8 حزيران / يونيو 1974 في القاهرة. وقد أفسح هذا البرنامج مجالاً هاماً للتحرك السياسي الفلسطيني، ووضع عبارات مبهمة تُهيِّئ لاحتمال المشاركة في التسويات السياسية. فقد نصَّ ميثاق م.ت.ف على أن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، بينما ذكر برنامج النقاط العشر أن "منظمة التحرير تناضل بكافة الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح، لتحرير الأرض الفلسطينية، وإقامة سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة على كلّ جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها". فلم يعد الكفاح المسلح طريقاً وحيداً للتحرير، كما وافق البرنامج لأول مرة على تجزئة مشروع التحرير خطوة خطوة، ورفض المنهج السابق الذي يؤكد على شمولية التحرير كأمر لا يقبل التنازل[35].

 

وقد أعطى هذا البرنامج انطباعاً لدى البلاد العربية والعالمية أن م.ت.ف قد أصبحت أكثر "إيجابية" وأكثر "واقعية"، وهو ما أعطى القيادة الفلسطينية مجالاً أكبر للمناورة السياسية. وقد تحققت نتائج ذلك عاجلاً في قمة زعماء الدول العربية في الرباط في تشرين أول / أكتوبر 1974 الذي اعترف بـ م.ت.ف ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني[36]، وفي دعوة الجمعية العامة للأمم المتحدة لـ م.ت.ف للمشاركة في أعمالها، وإلقاء عرفات لخطابه فيها في 13 تشرين ثاني / نوفمبر 1974[37]. وحققت م.ت.ف العديد من المكاسب السياسية على منابر الأمم المتحدة.

 

غير أن الحملات العسكرية الشديدة التي تعرضت لها المنظمة في الأردن ولبنان وداخل فلسطين، مُترافقةً مع التوجه العربي، وخصوصاً المصري، نحو التسوية، قد أضعف من إمكانات التأثير العسكري الحاسم الذي يمكن أن تقوم به م.ت.ف وفصائلها ضد الكيان الصهيوني ...، وهو ما فتح المجال أكثر لمزيد من النشاط السياسي على حساب غيره من خطوط العمل. ولأن أي تسوية سياسية هي عملياً انعكاس لحالة موازين القوى، فقد تضاءلت مع الزمن قدرة م.ت.ف على فرض شروطها وتصوراتها، وأخذت تتنازل تدريجياً عن مطالبها، كما سنرى لاحقاً.

 

وقد ترافق التحرك السياسي مع تنازل متعلق بالاتصالات السياسية باليهود (وخصوصاً داخل فلسطين) والتي كانت تعدُّ قبل ذلك نوعاً من الخيانة. إذ سمح المجلس الوطني الفلسطيني الثالث عشر (القاهرة 12 - 22 آذار / مارس 1977) بذلك مؤكداً على "أهمية العلاقة والتنسيق مع القوى اليهودية الديموقراطية والتقدمية المناضلة داخل الوطن المحتل وخارجه ضد الصهيونية كعقيدة وممارسة"[38].

 

اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر والكيان الإسرائيلي 1978[39]:

قام الرئيس المصري أنور السادات بزيارة مفاجئة إلى الكيان الإسرائيلي في 19 تشرين الثاني / نوفمبر 1977 وألقى خطاباً في الكنيست "الإسرائيلي" ودعا إلى تسوية سلمية. وبدأت بعد ذلك لأول مرة مفاوضات مصرية - "إسرائيلية" مباشرة وعلنية. وقد نتج عنها توقيع اتفاقيات كامب ديفيد في الولايات المتحدة في 17 أيلول / سبتمبر 1978 بين مصر (ويمثلها أنور السادات)، والكيان الإسرائيلي (ويمثلها مناحيم بيجين)، برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر. وقد دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في 26 آذار / مارس 1979. والاتفاقية مقسومة إلى وثيقتين الأولى تتناول أسس علاقة الكيان الإسرائيلي مع البلاد العربية ومستقبل الضفة الغربية والقطاع، وأما الثانية فتحدد أسس معاهدة السلام بين مصر والكيان الإسرائيلي. وقد استرجعت مصر بموجب هذه الاتفاقية أرض سيناء وفق شروط تضبط وجود قواتها فيها. ووافقت مصر على إقامة علاقة سلام دائم، وتطبيع العلاقات سياسياً واقتصادياً وثقافياً ... مع الكيان الإسرائيلي.

 

وفيما يتعلق بالشعب الفلسطيني فقد دعت إلى مشاركة ممثلي الشعب الفلسطيني في المفاوضات، واقترحت حكماً ذاتياً فلسطينياً في الضفة والقطاع بحيث يشترك في المفاوضات بشأنه وشأن مستقبله مصر والأردن و"الكيان الإسرائيلي" وممثلون عن الضفة والقطاع يضمهم في البداية وفدا مصر والأردن. وقد يضم الوفد فلسطينيين آخرين "وفقاً لما يتفق عليه" أي بمعنى أن للكيان الإسرائيلي حق رفضهم أو قبولهم. كما تضمنت التصورات التفصيلية التالية:

1. تكون هناك ترتيبات انتقالية بالنسبة للضفة والغربية وقطاع غزة لمدة لا تتجاوز خمس سنوات.

2. تنسحب الحكومة العسكرية "الإسرائيلية" وإدارتها المدنية بمجرد أن يتم انتخاب سلطة الحكم الذاتي من قبل السكان عن طريق الانتخاب الحر.

3. تتفاوض الأطراف (مصر، الأردن، ممثلو الضفة والقطاع، الكيان الإسرائيلي) بشأن اتفاقية تحدد مسئوليات الحكم الذاتي التي ستمارس في الضفة والقطاع.

4. سيكون هناك إعادة توزيع للقوات الإسرائيلية التي ستبقى في مواقع معينة، وستتضمن الاتفاقية ترتيبات لتأكيد الأمن الداخلي والخارجي والنظام العام.

5. ستتم المفاوضات وفق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 بكافة أجزائه. وستعالج المفاوضات - من بين أمور أخرى - موضوع الحدود، وطبيعة الإجراءات الأمنية.

6. يجب أن يعترف الحل الناتج عن المفاوضات بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ومطالبه العادلة.

7. سيشترك الفلسطينيون بتقرير مستقبلهم من خلال:

أ. يتم الاتفاق في المفاوضات بين مصر و"إسرائيل" والأردن وممثلي السكان في الضفة والقطاع على الوضع النهائي للضفة والقطاع والمسائل البارزة الأخرى بحلول نهاية المرحلة الانتقالية.

ب. يعرض الاتفاق على ممثلي الضفة والقطاع المنتخبين للتصويت عليه.

ج. تتاح الفرصة للمثلين المنتخبين عن السكان في الضفة وغزة لتحديد الكيفية التي سيحكمون بها أنفسهم تمشياً مع نصوص الاتفاق.

د. المشاركة في عمل اللجنة التي تتفاوض بشأن معاهدة السلام بين الأردن و"الكيان الإسرائيلي".

8. سيتم تشكيل قوة شرطة محلية قوية قد تضم مواطنين أردنيين، وستشترك قوات "إسرائيلية" وأردنية في دوريات مشتركة، وفي العمل على ضمان أمن الحدود.

9. وعندما يتم إنشاء سلطة الحكم الذاتي (مجلس إداري) ستبدأ المرحلة الانتقالية من خمس سنوات. وستتم بأسرع ما يمكن، وبما لا يزيد عن السنة الثالثة من بدء هذه المرحلة، المفاوضات النهائية لتقرير الوضع النهائي للضفة والقطاع وعلاقتها بغيرها، والوصول إلى معاهدة سلام بين الكيان "الإسرائيلي" وبين الأردن مع نهاية المدة الانتقالية.

10. سيتم اتخاذ كل الإجراءات التي تضمن أمن "إسرائيل" وجيرانها.

11. خلال المرحلة الانتقالية تشكل لجنة من الأردن ومصر وممثلو الضفة والقطاع و"إسرائيل" للاتفاق على مدى السماح بعودة النازحين المطرودين من الضفة والقطاع سنة 1967. وستعمل مصر و"إسرائيل" والأطراف الأخرى المهتمة لوضع إجراءات متفق عليها لتحقيق حلٍّ عاجل وعادل ودائم لمشكلة اللاجئين.

 

وقد ذكرنا تفصيلات كامب ديفيد لأنها أول تسوية سلمية متعلقة بفلسطين يتم الاتفاق عليها بين "الكيان الإسرائيلي" وأحد الأطراف العربية. ولأن اتفاق أوسلو مع م.ت.ف فيما بعد (سنة 1993) سيشكل النسخة المعدّلة - وربما المشوهة - لهذه الاتفاقية.

 

لقد أثارت هذه الاتفاقية أحد أشد حملات الرفض والاحتجاج في العالم العربي، وانطلقت المظاهرات في كل مكان معبَّرة عن سخط جماهيري شامل. واتّهم السادات بأشنع أوصاف الخيانة وبيع الحقوق العربية. وقامت جماعة إسلامية باغتياله في 6 أكتوبر 1981، ولم تخف قطاعات واسعة من العرب والمسلمين فرحها بذلك و"شماتتها" به. وفي مؤتمر القمة العربية في بغداد 1979 تمَّ قطع العلاقات السياسية مع مصر، وجرى عزل مصر عن محيطها العربي. كما تم تشكيل جبهة الصمود والتصدي مع عدد من الأقطار العربية (سوريا، العراق، ليبيا، الجزائر، اليمن الجنوبي، وم.ت.ف) لمواجهة مشروع كامب ديفيد. وعدَّت م.ت.ف في بيان أصدرته هذا الاتفاق "أخطر حلقات المؤامرة المعادية منذ عام 1948" وأنه يمثل "استسلاماً كاملاً من جانب السادات لمشروع مناحيم بيجن" وأن السادات أعطى "تسليمه بكامل شروطهم لتصفية القضية الفلسطينية والعربية" وأن "الاتفاق بيَّن تواطؤ السادات التام مع الأهداف الصهيونية، في إنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية بكاملها، وفي الاستعداد المشترك لضرب القضية الفلسطينية أرضاً وشعباً وثورة تحت إشراف وتخطيط الإمبريالية الأمريكية". وأكدّ البيان أن شعب فلسطين "لا يمكن أن يساوم أو يهادن أي مشروع تصفوي على غرار الحكم الذاتي ..." وأنهم لا يمكن أن يقبلوا أن يتقرر مصيرهم في "إطار خيانة كامب ديفيد"[40]. ومن العجيب أن قيادة م.ت.ف نفسها ستقوم بعد ذلك بخمسة عشر عاماً (إلا أربعة أيام) بالتوقيع على اتفاق شبيه وستتهم خصومها، بما اتهم به السادات خصومه، من عدم الواقعية والجهل، وستزجُّ كل القوى المعارضة والمجاهدة في السجون، وتتهمها بالوقوف ضد "المشروع الوطني"!!

 

وبالطبع فقد سقط الشق الفلسطيني من اتفاقية كامب ديفيد في ذلك الوقت لرفضه بالإجماع فلسطينياً، كما رفضته الأردن مما أفقده أيَّة إمكانية عملية للتنفيذ.
 

 

     
     
     
     
     
     


مشروع خالد الحسن 1982:

قدَّم خالد الحسن عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في المجلس الوطني الفلسطيني في 14 مايو 1982 مشروعاً سماه أفكار للنقاش لحل النـزاع، حيث دعا إلى انسحاب الكيان الإسرائيلي من الأراضي المحتلة سنة 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية على تلك الأراضي، وأن تكون أحكام الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة هي المرجع القانوني[41].

 

والحسن بطرحه هذا يقترب كثيراً من المشروعات العربية - التي رفضتها م.ت.ف دائماً وبإصرار - التي تعترف ضمناً بالكيان الصهيوني وتقبل ما اغتصبه من أرض سنة 1948. وبالتأكيد فإن طرح الحسن (الذي ظهر وكأنه مشروعه الخاص) كان يعكس حالة النقاش الدائرة في صفوف القيادة الفلسطينية، وارتفاع أصوات التيار "الواقعي" المتراجع عن الثوابت ضمن م.ت.ف، وكان أقرب إلى بالون اختبار لجس نبض الشارع الفلسطيني والعربي وردود الفعل الدولية.

 

مشروع ريجان 1982:

مثَّل الاجتياح "الإسرائيلي" للبنان، وتدميرُ معظم البنية التحتية لـ م.ت.ف، وإجبارُ نحو عشرة آلاف من مقاتليها على الخروج من لبنان في صيف 1982، مرحلةً جديدة في مسار التسوية السلمية. إذ وجدت القيادة الفلسطينية نفسها في تونس معزولة عن فلسطين، محرومة من أي قاعدة استراتيجية أو لوجستية في دول المواجهة مع الكيان الصهيوني. وساعد هذا الوضع على إيجاد أجواء عربية وفلسطينية جديدة تسير باتجاه متابعة منحنى التسوية الذي اختطته مصر. وأسهمت حالة العجز العربي وعدم جدية أو فاعلية برامج المقاومة والتحرير التي تُعلنها في طرح مشاريع تسوية تلقى قبولاً وتبنياً رسمياً عربياً، وتتضمن التنازل عن أرض فلسطين المحتلة عام 1948، والتعايش السلمي مع الكيان الصهيوني.

 

كان مشروع الرئيس الأمريكي رونالد ريجان الذي أعلنه في 2 من سبتمبر 1982 من أوائل المشاريع التي طرحت إثر الاجتياح "الإسرائيلي" للبنان. وقد دعا إلى عدم تقسيم مدينة القدس والاتفاق على مستقبلها عن طريق المفاوضات. وتعهد بحماية أمن "إسرائيل". ويبدو أن هذا المشروع كان مقدمة لاستثمار الظروف السياسية التي نتجت عن الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وهو لا يختلف كثيراً عن الشق الفلسطيني في اتفاقية كامب ديفيد[42].

 

مشروع السلام العربي (مشروع فاس) 1982:

وكان في أصله مشروعاً طرحه الأمير فهد بن عبد العزيز قبل أن يصبح ملكاً على السعودية، وقد تبناه مؤتمر القمة العربية المنعقد في مدينة فاس بالمغرب في 6 - 9 أيلول / سبتمبر 1982، إثر الخروج الفدائي الفلسطيني من بيروت. وقد تضمن النقاط التالية:

1. انسحاب "إسرائيل" من جميع الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967 بما فيها القدس.

2. إزالة المستوطنات التي أقامتها "إسرائيل" في الأراضي المحتلة عام 1967.

3. ضمان حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية لجميع الأديان في الأماكن المقدسة.

4. تأكيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بقيادة م.ت.ف، وتعويض من لا يرغب بالعودة.

5. إخضاع الضفة الغربية وقطاع غزة لمرحلة انتقالية تحت إشراف الأمم المتحدة لبضعة أشهر.

6. قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

7. يضع مجلس الأمن الدولي ضمانات سلام بين جميع دول المنطقة بما فيها الدولة الفلسطينية المستقلة.

8. يقوم مجلس الأمن الدولي بضمان تنفيذ تلك المبادئ[43].

وقد مثَّل مشروع فاس الخط السياسي العربي العام الذي ساد حقبة الثمانينات. والذي يجمع بين الاعتراف الضمني بالكيان الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية على الضفة والقطاع.

 

مشروع بريجينيف للسلام 1982:

وهو مشروع يمثل التصور السوفييتي للتسوية. وقد طرحه الرئيس ليونيد بريجينيف في 15 أيلول / سبتمبر 1982. وركز على حق شعب فلسطين في تقرير مصيره وإقامة دولة مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة بما فيها القدس الشرقية. وأكد على حق جميع دول المنطقة في الوجود والتطور السلميين والأمنيين، وعلى إنهاء حالة الحرب، وإحلال السلام بين الدول العربية و"إسرائيل"، وعلى إيجاد ضمانات دولية للتسوية[44].

وقد رحبت م.ت.ف والدول العربية بهذا المشروع الذي لا يختلف في جوهره عن مشروع فاس. قد أيَّد المجلس الوطني الفلسطيني السادس عشر المنعقد في الجزائر عن 22 شباط / فبراير 1983 مشروع فاس ومشروع بريجينيف، ورفض مشروع ريجان[45].

 

مشروع الكونفدرالية الأردنية - الفلسطينية 1984 - 1985:

طرح الملك حسين لدى افتتاحه الدورة السابعة عشر للمجلس الوطني الفلسطيني المنعقدة في عمَّان في 22 تشرين الثاني / نوفمبر 1984 الخطوط العريضة لمبادرة أردنية - فلسطينية مشتركة مبنية على قرار 242 كأساس للتسوية، وعلى مبدأ الأرض مقابل السلام، في إطار مؤتمر دولي تحت إشراف الأمم المتحدة.

 

وقد جرت مباحثات أردنية - فلسطينية مشتركة تم في ختامها إقرار الاتفاق الأردني - الفلسطيني في 11 شباط / فبراير 1985، وكان من أبرز أفكاره:

1. يتم التحرك الأردني - الفلسطيني على أسس الشرعية الدولية التي تمثلها قرارات الأمم المتحدة، التي تنص على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني مع مراعاة قرارات 242 و338.

2. يجب أن تتم عملية السلام من خلال مؤتمر دولي تشارك فيه م.ت.ف.

3. الاعتراف بمبدأ السلام مقابل الأرض، وانسحاب "إسرائيل" الكامل من الأرضي المحتلة عام 1967، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

4. تكون العلاقة المستقبلية بين الأردن وم.ت.ف علاقة كونفدرالية فيما إذا قامت الدولة الفلسطينية.

5. الاتفاق أنه في حالة نجاح مفاوضات الملك فهد في واشنطن وقبول الإدارة الأمريكية بمقترحاته، أن تقوم م.ت.ف بخطوات متقدمة نحو الاقتراح الأمريكي القاضي بالاعتراف المتبادل (مع الكيان الإسرائيلي)[46].

عكس هذا الاتفاق تحسُّن العلاقة بين م.ت.ف والأردن، والتي شابها التوتر الحاد معظم فترة السبعينيات. كما عكس استجابة أكثر من م.ت.ف للتعامل مع الضغوط الدولية (الأمريكية و"الإسرائيلية" بالذات) التي تفضل التعامل مع قضية فلسطين من خلال البوابة الأردنية، فضلاً عن تراجع م.ت.ف عن إصرارها على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. وعلى أي حال، فلم يكتب لهذا المشروع النجاح إذ لقي معارضة فلسطينية داخلية من بعض الفصائل. وقام الملك حسين بإيقاف المشروع في 19 شباط / فبراير 1986.
 

مشاريع التسوية 1987  -  2000

تُمثِّل هذه الفترة مرحلة دخول م.ت.ف فيما كانت ترفضه من قبل، وتعدُّه من المحرمات والكبائر. ولقد سارت الأنظمة العربية خطوات من التراجع والتنازل حتى وجدت نفسها في مربع التسوية الذي ذهب إليه نظام الحكم في مصر منذ أمد. وكيَّفت نفسها مع الشروط الأمريكية - الإسرائيلية للدخول في المفاوضات.

عانت م.ت.ف خلال 1986 - 1987 حالة من الاستضعاف السياسي، وحالة متزايدة من محاولات التهميش. غير أن اندلاع الانتفاضة المباركة في 9 كانون أول/ ديسمبر 1987 وفَّر لها رافعة سياسية كبيرة، وكرَّس من جديد الهوية الفلسطينية. وأظهرت الانتفاضة الدور الريادي لأبناء الداخل في المقاومة (الذين تمسهم أساساً كل التسويات المطروحة) لتصفية القضية. وعادت الانتفاضة لتبرز من جديد الوجه القبيح للاحتلال الصهيوني، ومعاناة شعب يرزح تحت الاحتلال ويرفضه ويقاومه بكل ما لديه، حتى لو لم يكن ذلك بغير الحجارة. وتصدرت القضية الفلسطينية مرة أخرى جدول أعمال الأمم المتحدة والقوى الكبرى والبلاد العربية ووسائل الإعلام العالمية. وقد حاولت م.ت.ف اهتبال الفرصة لتقدّم نفسها طرفاً مقبولاً، ولا يمكن تجاوزه، لأية تسوية متعلقة بالقضية.

 

ولم تكن الرياح تجري بما تشتهي سُفُن المنظمة أو الشعب الفلسطيني، فقد كان هناك حالة عجز وتفكك عربي، وكانت العراق وإيران على وشك الخروج منهكتين من حرب الثمانية أعوام (1980 - 1988) التي دمرت اقتصادهما ومواردهما البشرية والمالية والعسكرية. وعانت البلدان النفطية من تراجع إيرادات النفط وانخفاض أسعاره. ثم ما لبث العالم العربي والإسلامي أن انقسم على نفسه إثر الاجتياح العراقي للكويت في 2 أغسطس 1990، وما تلاه من حرب الخليج التي أورثت وضعاً عربياً بائساً ممزقاً. ونضبت المساعدات المالية من البلاد الخليجية لـ م.ت.ف والفلسطينيين، بسبب استنـزاف مواردها المالية في الحرب، وبسبب وقوف م.ت.ف إلى جانب العراق. فيما فرضت أمريكا هيمنتها وتوجهاتها على المنطقة. وفي الوقت نفسه انهار الاتحاد السوفييتي، وانهار معه النظام العالمي ثنائي القطبية الذي سيطر على السياسة الدولية طوال الفترة 1945 ـ 1990. وضعفت بالتالي قدرة دول العالم الثالث - وضمنها البلاد العربية والإسلامية - على الاستفادة من لعبة موازين القوى الدولية لخدمة مصالحها. وزادت صعوبة التحرر من الهيمنة الأمريكية التي أخذت تمثل القوة "البشرية" الكبرى الوحيدة، وسعت إلى تحويل العالم إلى نظام يدور حول قُطبها (أحادي القطبية) ويخدم مصالحها. وأصبحت "شرطي" العالم، وقدَّمت مفاهيمها ومعاييرها للسياسة والاقتصاد بل والثقافة والحياة الاجتماعية لتكون الأساس الذي يحكم العلاقات الدولية وحياة الناس. وزاد الأمر سوءاً، أن النفوذ اليهودي - الصهيوني تزايد بشكل كبير ومكشوف في الحياة السياسية الأمريكية، وخصوصاً في إدارة بيل كلينتون (يناير 1992 - يناير 2001) الذي كان في جزء طويل من حكمه وزراء الخارجية والدفاع والمالية والزراعة وحاكم البنك المركزي، ومدير الـ سي.آي.إيه CIA وسبعة من أعضاء مجلس الأمن القومي الأحد عشر .. كلهم من اليهود!! رغم أن نسبة اليهود في أمريكا لا تزيد عن 2.2% من كل السكان. وقد مثَّل ذلك كله وضعاً مثالياً بالنسبة إلى الكيان الصهيوني لعقد أي تسوية سلمية.

 

مشروع السلام الفلسطيني (نوفمبر 1988):

حاولت م.ت.ف استثمار الانتفاضة المباركة سياسياً، فشكلت القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة لينضبط إيقاع المقاومة مع إيقاع تحركها السياسي. وصدرت عن بسام أبو شريف - المقرب من ياسر عرفات - إحدى مؤشرات الاستعداد للتسوية والتنازل في الرسالة التي نشرها في حزيران / يونيو 1988 ودعا إلى السلام والتعايش مع "إسرائيل". وقد أفادت م.ت.ف من قرار الأردن في 31 تموز / يوليو 1988 فك روابطه الإدارية والقانونية مع الضفة الغربية، فأكدت بذلك تمثيلها الرسمي الوحيد لأهل الضفة الغربية. وقد سعى الأردن من خلال فك روابطه مع الضفة إلى إفشال الاقتراحات والأفكار التي كثُر الحديث عنه "إسرائيلياً" والتي طرحت "الخيار الأردني"، وأن الأردن هي وطن الفلسطينيين، بل واجترأ بعضها ليتحدث عن إمكانية تغيير نظام الحكم في الأردن بحيث يتولى الحكم زعيم فلسطيني.

 

وعندما انعقد المجلس الوطني الفلسطيني التاسع عشر في 12 - 15 تشرين ثاني / نوفمبر 1988 تم وضع برنامج فلسطيني جديد، بناء على نصائح عربية وسوفييتية، تَضَمَّن تنازلات جديدة، على أمل أن تجعل من م.ت.ف طرفاً مقبولاً (أمريكياً وإسرائيلياً) للدخول في أية تسوية سياسية. وفي هذا البرنامج:

1. اعترفت م.ت.ف رسمياً لأول مرة بقرار تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية رقم 181 الصادر عن الأمم المتحدة في 29 تشرين ثاني / نوفمبر 1947.

2. اعترفت م.ت.ف رسمياً لأول مرة بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 الصادر في 22 تشرين ثاني / نوفمبر 1967.

3. وكان الاعتراف بالقرارين عند م.ت.ف سابقاً من "الكبائر" و"الخيانات" التي لا تغتفر.

4. وحتى "يتجرع" الفلسطينيون عند م.ت.ف القرارين السابقين، فقد أعلن المجلس "استقلال فلسطين" الذي كان من الناحية الفعلية عملاً عاطفياً و"أملاً" أو "حلماً" لم تتراءى بداياته الأولى بعد. ولم تكن له أية إسقاطات حقيقية على أرض الواقع.

5. الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي تحت إشراف الأمم المتحدة، بمشاركة القوى الكبرى، وجميع أطراف الصراع بما فيها م.ت.ف. وعلى قاعدة قراري مجلس الأمن 242 و338 والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير.

6. انسحاب الكيان الإسرائيلي من الأراضي المحتلة سنة 1967.

7. إلغاء إجراءات الضم الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع وإزالة المستوطنات.

8. حل قضية اللاجئين وفق قرارات الأمم المتحدة.

9. وضع الضفة والقطاع لفترة محددة تحت إشراف الأمم المتحدة، لتوفير مناخ مناسب لأعمال المؤتمر الدولي، ولتسهيل الوصول إلى تسوية سياسية، ولتمكين الدولة الفلسطينية من ممارسة سلطتها الفعلية[47].

 

وبغض النظر عن الشكل الاحتفالي الذي ظهر فيه إعلان الدولة الفلسطينية، والتي اعترفت بها خلال بضعة أشهر نحو 120 دولة في العالم، فقد كان هذا المشروع مجرد اقتراب فلسطيني أكثر من مُربَّع الشروط "الإسرائيلية". وهو اقتراب لم يجابه بأي اقتراب "إسرائيلي" من المطالب الفلسطينية. لكن الولايات المتحدة كانت معنية بالظهور كطرف وسيط، وبإغراء الطرف الفلسطيني لتقديم المزيد من التنازلات، فاعتبرت هذا المشروع بادرة إيجابية غير كافية. واستفادت أمريكا من مجمل الحالة العربية والدولية التي ترى أن أوراق حل القضية الفلسطينية بيد أمريكا، والتي دفعت م.ت.ف لإيجاد السبل لفتح البوابة الأمريكية لها.

 

وقد اشترطت الولايات المتحدة - منذ أمد طويل- للدخول مع م.ت.ف في أي حوار ثلاثة شروط، الأول: الموافقة على قرار 242، والثاني: وقف العمليات العسكرية ضد الكيان الإسرائيلي، والثالث: إعلان نبذ "الإرهاب". وحتى يسترضي أمريكا، قام عرفات بالتوقيع على وثيقة ستوكهولم في 7 كانون أول / ديسمبر 1988 التي تضمنت اعترافاً صريحاً بالكيان "الإسرائيلي" وقراري مجلس الأمن 242 و338 ونبذ "الإرهاب". ولم يشفع لعرفات مشروعه السلمي وكل تنازلاته في الحصول على مجرد "فيزا" من الولايات المتحدة لإلقاء خطاب في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، مما اضطر الأمم المتحدة لنقل اجتماعاتها إلى جنيف حيث ألقى عرفات خطابه في 14 كانون أول / ديسمبر 1988. وفي 15 من الشهر نفسه اضطر عرفات لإعادة الاعتراف بعبارات صريحة محددة اشترطتها أمريكا بنفسها. وبعد ذلك بساعات أعلنت أمريكا فتح الحوار مع م.ت.ف، حيث بدأ في 16 كانون أول / ديسمبر 1988 في تونس، ومثَّل أمريكا فيه سفيرها في تونس روبرت بليترو[48]. غير أن هذا الحوار كان أشبه بالتحقيق وجلسات الاستماع غير المجدية، ولم يرتفع بمستواه ولا بجديته إلى درجة المفاوضات الحقيقية. لكنه ظلّ "كوّة" أمّلت م.ت.ف توسيعها، بينما أمّل الجانب الأمريكي جرّ م.ت.ف إلى مزيد من التنازلات.

 

مشروع شامير للحكم الذاتي (مايو 1989):

لم يكن رئيس الوزراء الليكودي المتطرف إسحق شامير يرغب بتقديم أية تنازلات للفلسطينيين، وكانت سياسته العامة بالتعاون مع شريكه في الائتلاف الحكومي حزب العمل هي القضاء على الانتفاضة وسحقها. غير أن الانتفاضة شوهت الوجه "الإسرائيلي" دولياً، وكشفت زيف ادعاءاته وحقيقة احتلاله. كما كانت ظاهرة الانبعاث الإسلامي في العالم العربي، وتنامي التيار الإسلامي الجهادي في فلسطين، وظهور الأنظمة العربية الصديقة لأمريكا في وضع حرج تجاه شعوبها، كل ذلك كان ظواهر مقلقة لأمريكا والكيان "الإسرائيلي". وهذا دفع أمريكا لتحريك عملية السلام، فكانت مبادرة جورج شولتز وزير الخارجية الأمريكي في النصف الأول من عام 1988 وهي أقرب إلى الشق الفلسطيني في اتفاقية كامب ديفيد مع مصر. وعندما قام ياسر عرفات "بهجوم السلام الفلسطيني" وقدَّم مبادرة السلام الفلسطينية، اضطرت حكومة شامير لتقديم مبادرة "سلمية" تخرجها من زاوية الحرج السياسي، وتضع الكرة مرة أخرى في الملعب الفلسطيني.

 

وقد قدّم شامير خطته في عشرين نقطة، واعتمدتها حكومته في 14 أيار / مايو 1989، ووافق عليها الكنيست بعد أسبوعين من ذلك. ومثَّل مشروع شامير في جوهره - مرة أخرى - الشق الفلسطيني من اتفاقية كامب ديفيد مع مصر. فدعا إلى انتخابات في الضفة والقطاع (ما عدا القدس الشرقية) لاختيار فلسطينيين من غير أعضاء م.ت.ف، ليتفاوض معهم الكيان الإسرائيلي حول إقامة حكم ذاتي في مرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات، يتم بعدها الاتفاق على الوضع النهائي[49].

 

وقد ضغطت أمريكا على م.ت.ف للموافقة على خطة شامير ، وهددت بتجميد الوضع السياسي. وقد رفضت المنظمة مشروع شامير لتجاهله الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني. ووجدت م.ت.ف نفسها مرة أخرى في مأزق سياسي، لا تستطيع الخروج منه إلا بمزيد من التنازلات.

 

مؤتمر مدريد للسلام (أكتوبر 1991)[50]:

سعت الولايات المتحدة إلى استثمار حالة التمزق والتشرذم العربي التي أعقبت حرب الخليج، فدعا الرئيس الأمريكي جورج بوش، بعد بضعة أيام من إجبار العراق على الانسحاب من الكويت، في 6 آذار / مارس 1991 إلى عقد مؤتمر دولي لتسوية الصراع العربي - "الإسرائيلي". وقام وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر بست جولات مكوكية في الشرق الأوسط أثمرت عن إقناع جميع الأطراف بقبول المشاركة في مؤتمر مدريد بعد أن قدَّم لهم عدداً من التطمينات والضمانات الأمريكية. وكانت الدعوة مبنية أساساً على تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242.

 

وقد انعقد "مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط" في 30 أكتوبر 1991 برعاية الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي (الذي كان يعاني حالة انهيار وأفول ألقت بظلالها على دوره الخافت في عملية السلام)، وبحضور أوربي شكلي. وقد ألقى اختيار مدريد بظلاله عند بعض الذين ربطوا بين الأفول الإسلامي في الأندلس، وما يمكن أن يحصل من أفول إسلامي في فلسطين نتيجة هذا المؤتمر. وشاركت أكثر البلاد العربية في المؤتمر (مصر، الأردن، سوريا، لبنان، المغرب، تونس، الجزائر، ودول مجلس التعاون الخليجي الستة). وتمكن الكيان الصهيوني من فرض شروطه على التمثيل الفلسطيني، فتمَّ استبعاد المشاركة الرسمية لـ م.ت.ف في المؤتمر، وشارك ممثلون فلسطينيون عن الضفة والقطاع (بمباركة م.ت.ف) تحت الغطاء الأردني، وضمن وفد أردني - فلسطيني مشترك.

 

وقد ابتدعت في هذا المؤتمر فكرة السير بمسارين في مشروع التسوية:

-  المسار الثنائي: ويشمل الأطراف العربية التي لها نزاع مباشر مع الكيان الإسرائيلي، وهي سوريا، والأردن، ولبنان، والفلسطينيين.

-  المسار متعدد الأطراف: الذي هدف إلى إيجاد رعاية دولية واسعة لمشروع التسوية، من خلال إشراك معظم دول العالم المؤثرة، وجميع الأطراف الإقليمية والعربية. كما هدف إلى إيجاد تحوّل في الأجواء العامة في الشرق الأوسط بحيث يصبح الكيان الإسرائيلي كياناً طبيعياً في المنطقة. كما نقل بعض القضايا الحساسة إلى هذا المسار لتخفيف العقبات من طريق المسار الثنائي، مثل قضايا اللاجئين، والمياه، والأمن والحد من التسلح، والبيئة، والاقتصاد والتعاون الإقليمي، حيث شُكّلت خمس لجان لهذه القضايا.

 

واستطراداً نشير إلى أنه جرت عدة مؤتمرات دولية، وكثير من اجتماعات اللجان، لكن عدم تعاون الطرف "الإسرائيلي" إلا فيما يخدم مصلحته كان يجعل التقدم في كثير من الأمور مستحيلاً وغير ذي معنى. فكان الصهاينة يسعون إلى إحداث تقدم في الجوانب الاقتصادية لكسر حاجز المقاطعة مع الدول العربية وبناء علاقات سياسية معها. بينما كانوا يعطِّلون المسارات الحساسة كاللاجئين. وقد أخذ المسار متعدد الأطراف بالتعثر بعد التكشف الصارخ للنوايا "الإسرائيلية"، ومقاطعة سوريا ولبنان لهذا المسار. أما في المسار الثنائي فقد حصلت اتفاقات سلام فلسطينية - "إسرائيلية"، سنة 1993، وأردنية - "إسرائيلية" سنة 1994، بينما ظل المساران اللبناني والسوري متعثرين.

 

وفي المسار الفلسطيني - "الإسرائيلي"، رأس الجانب الفلسطيني حيدر عبد الشافي وساعده مجموعة شخصيات مثل فيصل الحسيني وحنان عشراوي وغيرهم. وقد دخل في نحو سنتين من المفاوضات العقيمة مع الوفد "الإسرائيلي". وفي الوقت نفسه، كان ياسر عرفات وبضعة أفراد فقط من قيادة م.ت.ف يتابعون خطاًّ سرياًّ للتفاوض نتج عنه ما عُرف باتفاق أوسلو.

 

اتفاق أوسلو (سبتمبر 1993):

ربما نسترجع قبل الحديث عن هذا الاتفاق بعض خيوط الأحداث التي دفعت باتجاهه. ففي عام 1990 عُقد اجتماع سرِّي في فيلا خاشقجي بباريس بين أريل شارون وبسام أبو شريف ومروان كنفاني كان على جدوله إقامة حكم ذاتي فلسطيني في قطاع غزة. وقد دخلت النرويج على خط المفاوضات عبر تيرجي ود لارسن، وهو رئيس معهد نرويجي يبحث في ظروف وأوضاع الفلسطينيين في الأرض المحتلة. وقد تعرف على يوسي بيلين - أحد المقربين من بيريز - وعرض عليه في نيسان / إبريل 1992 عقد مباحثات سرية مع م.ت.ف. وقد أصبح بيلين بعد الانتخابات "الإسرائيلية" نائباً لوزير الخارجية (بيريز). وقام أحد الدبلوماسيين النرويجيين في أيلول / سبتمبر 1992 بتقديم عرض على بيلين بأن بلاده على استعداد لتكون المعبر السري للاتصال مع م.ت.ف. وفي ديسمبر 1992 بدأت الترتيبات العملية للمفاوضات السرية، فالتقى عن "الإسرائيليين" البروفيسور يائير هيرشفيلد أستاذ التاريخ بجامعة حيفا، مع أحمد سليمان قريع (أبو علاء) رجل الأعمال والقيادي في حركة فتح، في فندق سانت جيمس بلندن.

 

وفي 20 كانون ثاني / فبراير 1993 عُقد أول اجتماع بينهما، من أصل 14 اجتماعاً، في مدينة ساربسبورغ على بعد 60 ميلاً إلى الشرق من أوسلو، في أجواء سرية مطلقة. وفي نيسان / إبريل 1993 رفعت "إسرائيل" مستوى تمثيلها في المباحثات فعيّنت يوري سافير، مدير عام وزارة الخارجية، رئيساً للوفد "الإسرائيلي"، وانضم إليهم يوئيل زنجر وهو محام خبير في القانون الدولي. أما "أبو علاء" فساعده مستشار قانوني اسمه طاهر شاش. وكانت الجلسات تنتقل من مكان إلى آخر ويمتد الاجتماع بضعة أيام. وسافر بيريز في 19 آب / أغسطس 1993 إلى النرويج حيث وقع في الليلة نفسها على مسودة الاتفاق. وقد استمر عقد هذه المفاوضات في أثناء انعقاد المفاوضات الرسمية المعلنة بقيادة حيدر عبد الشافي، ودون علم أيٍّ من أعضاء هذا الوفد الرسمي. كما أن مفاوضات أوسلو استمرت حتى بعد أن قام الوفد الرسمي بتعليق المفاوضات، إثر إبعاد الكيان الإسرائيلي لـ415 فلسطينياً من حماس والجهاد الإسلامي إلى مرج الزهور في جنوب لبنان.

 

وقد تم التوقيع الرسمي على اتفاق أوسلو في واشنطن في 13 أيلول / سبتمبر 1993، ووقعه عن الجانب الفلسطيني محمود عباس أمين سر اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، والذي تولى متابعة هذه المفاوضات السرية بنفسه. ووقعه عن الجانب "الإسرائيلي" شمعون بيريز وزير الخارجية، كما وقعه وزيرا خارجية أمريكا وروسيا كشاهدين. ويُعدُّ هذا الاتفاق بحقٍّ منعطفاً تاريخياً في مسار القضية الفلسطينية، فهو أول اتفاق يوقعه الفلسطينيون و"الإسرائيليون" ويتم بموجبه تنفيذ تسوية سلمية. وهو يعكس مدى التنازلات الهائلة التي اضطرت قيادة م.ت.ف إلى تقديمها حتى تحصل على اتفاق شبيه في جوهره باتفاق كامب ديفيد 1978، والتي وصفت مُوقِّعه (السادات) يومذاك بالخيانة والاستسلام، ودعت شعب مصر لإسقاطه. وهو يعكس بالتأكيد مدى الانتكاسات والتراجعات والضربات التي عانى منها مشروع تحرير فلسطين خلال الفترة 1978 - 1993. وقد كرَّس هذا الاتفاق الانفصال التام بين مسار المفاوضات الفلسطيني - "الإسرائيلي" ومسارات المفاوضات العربية الأخرى، مما أفقدها القدرة على تنسيق المواقف والعمل المشترك. وتسارعت بعد ذلك وتيرة المفاوضات الأردنية - "الإسرائيلية" والتي أدت في نهايتها إلى عقد تسوية سلمية بين الجانبين في 26 تشرين أول / أكتوبر 1994، والتي عرفت بمعاهدة وادي عربة. أما المسارين السوري واللبناني فبقيا متعثّرين طوال السنوات الثماني التالية (حتى الآن).

 

وقد عُرف اتفاق أوسلو "باتفاق إعلان المبادئ الفلسطيني - الإسرائيلي" أو باتفاق غزة - أريحا أولاً. ووقعت كافة الاتفاقات التالية بين م.ت.ف. وبين الكيان "الإسرائيلي" بناء على هذا الاتفاق. أما أبرز النقاط في اتفاق أوسلو فهي:

1. إقامة سلطة حكم ذاتي محدود للفلسطينيين في الضفة والقطاع لفترة خمس سنوات.

2. تبدأ قبل بداية العام الثالث من الحكم الذاتي المفاوضات على الوضع النهائي للضفة والقطاع، بحيث يفترض أن تؤدي إلى تسوية دائمة تقوم على أساس قراري مجلس الأمن الدولي 242 و338.

3. خلال شهرين من دخول الاتفاق حيّز التنفيذ، يتوصل الطرفان لاتفاقية حول انسحاب "إسرائيل" من غزة وأريحا، تشمل نقلاً محدوداً للصلاحيات للفلسطينيين، وتغطي التعليم والثقافة والصحة والشئون الاجتماعية والضرائب المباشرة والسياحة.

4. بعد تسعة أشهر من تطبيق الحكم الذاتي، تجرى انتخابات مباشرة في الضفة والقطاع لانتخاب مجلس فلسطيني للحكم الذاتي، وتقوم القوات الإسرائيلية قبيل الانتخابات بالانسحاب من المناطق المأهولة بالسكان وإعادة الانتشار في الضفة.

5. يتم تشكيل سلطة فلسطينية انتقالية ذاتية تشمل الضفة والقطاع، على أن صلاحياتها لا تشمل الأمن الخارجي ولا المستوطنات الإسرائيلية، ولا العلاقات الخارجية، ولا القدس، ولا "الإسرائيليين" في تلك الأرضي.

6. "لإسرائيل" حق النقض "الفيتو" ضد أي تشريعات تصدرها السلطة الفلسطينية خلال المرحلة الانتقالية.

7. ما لا تتم تسويته بالتفاوض يمكن أن يتفق على تسويته من خلال آلية توفيق يتم الاتفاق عليها بين الطرفين.

8. يمتد الحكم تدريجياً من غزة وأريحا إلى مناطق الضفة الغربية وفق مفاوضات تفصيلية لاحقة.

9. وقد أكد الاتفاق على نبذ م.ت.ف والسلطة الفلسطينية "للإرهاب" و"العنف"، والحفاظ على الأمن، ومنع العمل المسلح ضد الكيان الإسرائيلي[51].

 

وبشكل عام، فإن أبرز الانتقادات والملاحظات على اتفاق أوسلو يمكن تلخيصها فيما يلي:

1. قضية فلسطين قضية كل المسلمين وليس قضية الفلسطينيين وحدهم، وهي معركة بين حق العرب المسلمين وباطل اليهود الصهاينة. وهي معركة تتوارثها الأجيال ولا يجوز لجيل أن يرضخ أو يتنازل فيغمط حق الأجيال التالية. وقد أجمع العلماء الثقات على عدم جواز هذه التسوية بالشكل الذي تمت فيه، ودعوا إلى وجوب الجهاد لتحرير الأرض المباركة.

2. تفردت قيادة م.ت.ف بالموافقة على الاتفاق والاتفاقات التي تلته، ولم ترجع حتى إلى الشعب الفلسطيني نفسه، الذي توجد فيه تيارات واسعة معترضة على هذه التسويات من الإسلاميين واليساريين والقوميين، وحتى في حركة فتح نفسها.

3. اعترفت قيادة م.ت.ف "بحق إسرائيل في الوجود"، وبشرعية احتلالها لـ77% من أرض فلسطين المحتلة عام 1948 والتي لا تجري عليها أية مفاوضات.

4. لم يتعرض الاتفاق لأخطر القضايا حيث تم تأجيلها إلى مرحلة المفاوضات النهائية، ولأن م.ت.ف تعهدت بعدم اللجوء إلى القوة إطلاقاً، فقد أصبح الأمر مرتبطاً بمدى "الكرم الصهيوني" الذي يملك عناصر القوة وأوراق اللعبة، وهذه القضايا:

أ. مستقبل مدينة القدس، والتي أعلنها اليهود عاصمة أبدية لهم وصادروا 86% من أرضها، وأسكنوا في القدس الشرقية أكثر من 200 ألف مستوطن.

ب. مستقبل اللاجئين الفلسطينيين الذين يزيد عددهم (سنة 2001) عن ستة ملايين و 200 ألف لاجئ (4.6 مليون خارج فلسطين، و 1.6 مليون داخل فلسطين وبالذات في الضفة والقطاع).

ج. مستقبل المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث صادر الصهاينة نحو 62% من أراضي الضفة والقطاع، وأقاموا أكثر من 160 مستوطنة في الضفة و16 مستوطنة في القطاع يعيش فيها 200 ألف يهودي مستوطن.

5. لا تتضمن مسئوليات السلطة الفلسطينية الأمن الخارجي والحدود، ولا يستطيع أحد دخول مناطق السلطة دون إذن "إسرائيلي". ولا يجوز للسلطة تشكيل جيش، والأسلحة تدخل بإذن إسرائيلي.

6. للكيان الصهيوني حق النقض "الفيتو" على أية تشريعات تصدرها السلطة خلال المرحلة الانتقالية.

7. لا يوجد في الاتفاقيات إشارة إلى حق الفلسطينيين في تقرير المصير، أو إقامة دولتهم المستقلة، ولا تشير الاتفاقيات إلى الضفة والقطاع كأراضٍ محتلة، مما يعزز الاعتقاد بأنها أراضٍ متنازع عليها.

8. في الوقت الذي تعهدت فيه م.ت.ف (السلطة الفلسطينية) بعدم اللجوء إطلاقاً للمقاومة المسلحة ضد الكيان الصهيوني، وبحل كافة مشاكلها بالطرق السلمية، فإنها في الوقت نفسه أصبحت مضطرة - في ضوء تعهداتها السلمية - لقمع وسحق أية مقاومة مسلحة ضد الكيان الصهيوني، ومحاربة أبناء شعبها الذين يقومون بذلك. ووجدت نفسها - عملياً سواء رغبت أم لم ترغب- أداة لحماية "الأمن الإسرائيلي" في مناطقها، وقامت بحملات اعتقال واسعة وشرسة إثباتاً "لحسن نواياها"، وحرصاً على السلام مع "إسرائيل".

9. أدت الاتفاقية إلى حالة انقسام كبيرة في الصف الفلسطيني، فوقفت فتح ومؤيدوها إلى جانب قيادة م.ت.ف والسلطة الفلسطينية، بينما وقفت الفصائل الفلسطينية العشر وعلى رأسها حماس والجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديموقراطية ضد الاتفاقية وتعهدت بإسقاطها.

10. بما أن "ممثلي الشعب الفلسطيني" الرسميين هم الذين وقعوا الاتفاق، فقد فتح ذلك الباب واسعاً أمام الأنظمة العربية ودول العالم إلى إقامة علاقات دبلوماسية مع الكيان الإسرائيلي على مستويات مختلفة. مما أدى إلى فك العزلة الدولية عنه، والتي عاناها طيلة 45 عاماً. وأصبح "لإسرائيل" مكاتب تمثيل في تونس والمغرب وقطر وعُمان وموريتانيا، كما أقامت نحو خمسين دولة أخرى علاقات دبلوماسية معها.

11. نشأت في الكيان الإسرائيلي (حتى اندلاع انتفاضة الأقصى) حالة من الاستقرار الأمني النسبي والازدهار الاقتصادي، فتضاعف الدخل القومي "الإسرائيلي" من نحو 30 ملياراً سنة 1993 إلى 105 مليارات دولار أمريكي سنة 1999. كما استقبل الكيان "الإسرائيلي" مئات الآلاف من المهاجرين اليهود.

12. أخرج الاتفاق الأمم المتحدة كمظلة دولية تحكم النـزاع بين الطرفين. ولم تعد كل قراراتها المتعلقة بحق شعب فلسطين في تقرير المصير، أو بقرار تقسيم فلسطين سنة 1947، تشكل مرجعية يمكن الاحتكام إليها. وظلّت الولايات المتحدة تلعب دور الراعي الأكبر لعملية التسوية، وهي المعروفة بانحيازها الصارخ للجانب "الإسرائيلي" ...، ومن استرعى الذئب فقد ظلم!!

13. اتسمت العديد من بنود اتفاقية أوسلو بالغموض، وترك التفصيلات لمفاوضات مستقبلية. وقد أعطى ذلك فرصة كبرى للكيان الإسرائيلي (الطرف القوي في المعادلة) للتسويف والمماطلة، وفرض شروطه وطريقة فهمه للاتفاقية، وجرى تقزيم المكاسب الفلسطينية (المُقزَّمة أصلاً) في هذه الاتفاقية. كما جرى تأجيل تنفيذ كثير من الاتفاقات التفصيلية. وأعطت "إسرائيل" لنفسها شرعية إعادة سحب التزامات كانت قد أعطتها للسلطة، كما مارست سياسات الحصار الاقتصادي والأمني لإجبار السلطة على تنفيذ التصور "الإسرائيلي" للاتفاقية. وقد مضى على هذه التسوية ثمانية سنوات دون الوصول إلى الحلول النهائية، بينما أعلن العديدون من فلسطينيين و"إسرائيليين" وفاة هذه الاتفاقيات. لكنها على أي حال لا تزال القاعدة التي تتم على أساسها المفاوضات.

 

أما المدافعون عن اتفاقيات أوسلو فيتهمون خصومهم "بالعدمية" و"عدم الواقعية"، ويقولون إن هذا هو أفضل ما يمكن تحصيله في ظل اختلال موازين القوى، والعجز العربي والإسلامي الحالي. كما يذكر المدافعون أن هذه الاتفاقيات شكَّلت فرصة لـ م.ت.ف وشعب فلسطين لبناء الحقائق على الأرض وإقامة السلطة الفلسطينية واستنقاذ ما يمكن استنقاذه من أرض قبل أن تقضي عليها آلة الضم والمصادرة الصهيونية، وقبل أن يتم تذويب أو تضييع قضية فلسطين نفسها. ويذكرون أن "إسرائيل" اعترفت في هذه الاتفاقية رسمياً بالشعب الفلسطيني وبحقوقه السياسية والمشروعة، كما اعترفت لأول مرة بـ م.ت.ف ممثلة لهذا الشعب، واعترفت أيضاً بالوحدة الإقليمية للضفة والقطاع. ويقولون إن مسار أوسلو مهما حاول الصهاينة التهرب من التزاماته سيؤدي في النهاية إلى قيام الدولة الفلسطينية[52].

 

وعلى أي حال، فإن اندلاع انتفاضة الأقصى في 28 سبتمبر 2000 كان دلالة وصول هذه الاتفاقيات إلى طريق مسدود.

 

اتفاق القاهرة (مايو 1994):

يشكل اتفاق القاهرة والاتفاقات التالية اتفاقات إجرائية تنفيذية لاتفاقية أوسلو نفسها. فقد فشل الطرفان الفلسطيني و"الإسرائيلي" في الاتفاق على تفصيلات المرحلة الأولى (غزة - أريحا) وانقضت المدة المحددة لانسحاب القوات "الإسرائيلية" قبل أن تبدأ هذه القوات بالانسحاب. وبعد مزيد من التعنت "الإسرائيلي" والتنازل الفلسطيني توصل الجانبان إلى توقيع اتفاق القاهرة، الذي عرف ايضاً باسم (أوسلو) في 4 أيار / مايو 1994، والذي فصَّل المرحلة الأولى من الاتفاق والجدولة الزمنية للانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وأريحا والترتيبات الأمنية المتعلقة بذلك. وبدأ دخول الشرطة الفلسطينية في 18 أيار / مايو 1994، وأدى أعضاء سلطة الحكم الذاتي اليمين الدستورية أمام ياسر عرفات في 5 تموز / يوليو 1994[53].

 

اتفاق طابا (أوسلو 2) (28 أيلول / سبتمبر 1995):

حسب اتفاق أوسلو، كان من المفروض أن تمضي ستة أشهر فقط تبدأ بعدها المرحلة الثانية من الفترة الانتقالية، وهي المتعلقة بتوسيع صلاحيات السلطة في المدن والريف الفلسطيني. لكن المفاوضات حولها امتدت عاماً ونصف، حيث سعى الكيان الإسرائيلي لفرض شروطه وتفسيراته الخاصة، وربط إمكانية التقدم بالمفاوضات بمدى تمكُّن السلطة من تحقيق الأمن "لإسرائيل"، وبعبارة أخرى بمدى تمكن السلطة الفلسطينية من سحق المعارضة الفلسطينية المسلحة. ولم يتم ذلك إلا بعد أن "نجحت" السلطة إلى حدٍّ بعيد في الاختبار "الإسرائيلي". وقد تم التوصل إلى هذا الاتفاق في طابا بمصر، وجرى توقيعه في أجواء احتفالية كبيرة في واشنطن في 28 أيلول / سبتمبر 1995.

 

وتضمن الاتفاق توزيع الضفة الغربية إلى ثلاثة مناطق "أ" و"ب" و"ج". ومناطق "أ" هي مراكز المدن الرئيسية في الضفة ما عدا الخليل ومساحتها لا تتجاوز 3% من مساحة الضفة حيث سيكون الإشراف الإداري والأمني عليها فلسطينياً. ومناطق "ب" وهي مناطق القرى والريف الفلسطيني وهي نحو 25% وتخضع إدارياً للسلطة الفلسطينية، أما الإشراف الأمني فيكون "إسرائيلياً" - فلسطينياً مشتركاً. وأما مناطق "ج" فيكون الإشراف عليها إدارياً وأمنياً للكيان الإسرائيلي وهي نحو 70% من الضفة، وتشمل المستوطنات والمناطق الحدودية وغيرها[54].

 

وحفل الاتفاق بالمزيد من القيود والشروط الأمنية، وما إن بدأت القوات "الإسرائيلية" انسحابها من المدن وإعادة انتشارها، حتى بدت مناطق السلطة الفلسطينية كالجُزُر المحاصرة في بحر أمني "إسرائيلي". وتحوّل الاحتلال الإسرائيلي إلى نوع من "الاستعمار النظيف"، إذ أوكل المهام المتعلقة بإدارة السكان وضبطهم أمنياً وجمع الضرائب وأعمال البلدية وغيرها إلى السلطة، بينما تولّى هو التحكم بمداخل ومخارج المدن والقرى، يُطبق عليها الحصار الأمني والاقتصادي متى شاء ويخضعها لشروطه.

 

وبعد تلك الترتيبات، تمت في يناير 1996 انتخابات المجلس التشريعي لمناطق الحكم الذاتي، والتي قاطعتها حماس وباقي الفصائل العشر، وفازت فيها حركة فتح ومؤيدوها بنحو ثلاثة أرباع المقاعد. كما انتخب ياسر عرفات رئيساً للسلطة بأغلبية 88%.

 

اتفاق الخليل (15 كانون ثاني / يناير 1997):

عاد حزب الليكود في مايو 1996 إلى سدَّة الحكم بزعامة بنيامين نتنياهو الذي كان معارضاً لاتفاق أوسلو، ويعتقد أن الفلسطينيين أخذوا أكثر مما ينبغي أو أكثر مما يستحقون. وقد اضطرت السلطة الفلسطينية إلى تقديم تنازلات جديدة فيما يتعلق بوضع مدينة الخليل الذي تم التوقيع عليه في 15 كانون الثاني / يناير 1997 وهو اتفاق قسَّم المدينة إلى قسمين: يهودي في قلب المدينة بما فيها الحرم الإبراهيمي، وقسم عربي ويشمل الدائرة الأوسع للمدينة. وتم وضع ترتيبات أمنية قاسية ومعقدة لضمان أمن الـ400 يهودي المقيمين في وسط المدينة، وبشكل يضمن راحتهم وتنقلهم بين أكثر من 120 ألف فلسطيني يسكنون الخليل، مما جعل حياة سكان المدينة الفلسطينية جحيماً لا يطاق.

وتضمّن اتفاق الخليل إعادة جدولة زمنية لثلاث انسحابات (إعادة انتشار) من أجزاء غير محددة من الضفة تبدأ في مارس 1997 وتنتهي في يونيو 1998، بدلاً مما كان مقرراً في أيلول / سبتمبر 1997[55].

 

اتفاق واي ريفر بلانتيشن (23 تشرين أول / أكتوبر 1998):

تعامل نتنياهو مع السلطة الفلسطينية بكثير من اللامبالاة والازدراء والتعالي، ونشط أكثر في مجال توسيع المستوطنات والاستيلاء على الأراضي وتهويد القدس. ورفض تطبيق الاتفاقيات أو التعاون مع السلطة ما لم تثبت فاعليتها بنسبة 100% في مكافحة المعارضة الفلسطينية وخصوصاً حماس والجهاد الإسلامي، وما لم تقدم أقصى درجات التعاون الأمني مع الكيان الإسرائيلي.

 

وقد تعثرت إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي مرة أخرى نتيجة التعنت الإسرائيلي. واضطر عرفات في 5 مايو 1998 أن يقبل أخيراً عرضاً أمريكياً - كان قد رفضه مراراً - بانسحاب "إسرائيلي" من 13% من الضفة الغربية. غير أن نتنياهو لم يوافق على هذا العرض إلا بعد أن وافق عرفات أن يكون هناك 3% من هذه الـ 13% على شكل محمية طبيعية. وفي 23 تشرين أول / أكتوبر 1998 وقع الطرفان اتفاقية واي ريفر بلانتيشن التي تضمنت الانسحاب الإسرائيلي من 13% من أرض الضفة. كما تضمنت إطلاق سراح بضعة مئات من أصل 3000 معتقل سياسي فلسطيني، والسماح بتشغيل مطار غزة والسماح بطريق آمن بين الضفة والقطاع.

 

وقد اتخذ اتفاق واي ريفر شكلاً أمنياً أكثر حزماً وتشدداً، إذ كان شرط تنفيذ ما سبق أن يُصعِّد الطرف الفلسطيني جهوده ضد ما أسماه "الإرهابيين" أي المعارضة الفلسطينية، ويصادر الأسلحة بناء على خطة أمنية مجدولة تحت إشراف المخابرات الأمريكية CIA، وإزالة كل ما يعادي "إسرائيل" في الميثاق الوطني الفلسطيني. وحسب الاتفاقية تتسع السيطرة الإدارية والأمنية للسلطة لتغطي 18% من الضفة (مناطق أ)، ويكون لها سيطرة إدارية فقط على 22% (مناطق ب) ويكون ضمنها المحمية الطبيعية (3%)[56].

 

وفي 16 تشرين الثاني / نوفمبر 1998 طمأن نتنياهو مجلس وزرائه أنه حتى بعد تنفيذ اتفاقية واي ريفر فإن الإسرائيليين سيظلون محتفظين بالسيطرة الأمنية على 82% من الضفة والقطاع. وفي 20 تشرين ثاني / نوفمبر 1998 انسحب الكيان الإسرائيلي من 34 بلدة وقرية شمال الضفة. وأطلق سراح 250 سجيناً فلسطينياً معظمهم مجرمين عاديين وليس معتقلين سياسيين. ثم عاد مجلس الوزراء الإسرائيلي فقرر توقيف تنفيذ اتفاقية واي ريفر في 20 كانون أول / ديسمبر 1998. ورجع الإسرائيليون إلى عادتهم في فتح وإغلاق "صنبور" تنفيذ الاتفاقيات كما يشاؤون سعياً لابتزاز تنازلات جديدة.

 

اتفاقية شرم الشيخ (4 أيلول / سبتمبر 1999):

مع قدوم حزب العمل بقيادة إيهود باراك إلى السلطة من جديد في تموز / يوليو 1999 تجددت آمال السلطة الفلسطينية بالتعجيل بتنفيذ اتفاقات أوسلو، وحسم قضايا الحل النهائي. ورغم أن باراك قاد حملته الانتخابية على أساس الوصول إلى تسوية وتسريع عجلة المفاوضات، إلا أنه قدَّم "لاءاته الخمس" التي استند على أساسها برنامجه "السلمي":

1. لا لإعادة القدس الشرقية للفلسطينيين، والقدس عاصمة أبدية موحدة للكيان الإسرائيلي.

2. لا لعودة الكيان الإسرائيلي إلى حدود ما قبل حرب 1967.

3. لا لوجود جيش عربي في الضفة الغربية (بمعنى أن أي كيان فلسطيني يجب أن يكون ضعيفاً غير مكتمل السيادة).

4. لا لإزالة المستوطنات اليهودية في الضفة والقطاع.

5. لا لعودة اللاجئين الفلسطينيين.

 

وفي شرم الشيخ في 4 أيلول / سبتمبر 1999 وقع باراك وعرفات النسخة المعدَّلة من اتفاقية واي ريفر بحضور الرئيس المصري وملك الأردن. وهي تتعلق بموضوع تعجيل إعادة الانتشار الذي اتفق عليه سابقاً وماطلت "إسرائيل" في تنفيذه. كما تم الاتفاق على تمديد فترة الحكم الذاتي إلى أيلول / سبتمبر 2000، مع أنه ينتهي حسب "أوسلو" في أيار / مايو 1999. كما نص على الإفراج عن مجموعة من المعتقلين الفلسطينيين[57].

وعلى أي فإن اتفاق شرم الشيخ نفسه لم يسلم من التسويف، إذ إن موعد استكمال عملية التسليم كان ينبغي أن يتم في 20 كانون ثاني / يناير 2000، لكن الخلاف على ما يمكن تسليمه أخّر التنفيذ إلى 21 آذار / مارس 2000[58].

 

تطور مسار التسوية ومفاوضات كامب ديفيد (تموز/ يوليو 2000):

كانت السلطة الوطنية الفلسطينية في أمسّ الحاجة لتحقيق مكاسب على الأرض خصوصاً فيما يتعلق بالحلول النهائية وتحقيق حلم إقامة الدولة الفلسطينية. فقد عانت السلطة من انتقادات عنيفة داخلية وخارجية بسبب ضعف أدائها في المفاوضات، وبسبب قمعها للمعارضة، والاتهامات بانتشار الترهل والفساد في أجهزتها. وفي الوقت الذي استمر فيه التسويف والابتزاز "الإسرائيلي" اضطرت السلطة عدة مرات لتأجيل إعلان الدولة الفلسطينية الذي كانت تَعِدُ به الجماهير منذ أيلول/ سبتمبر 1998، ثم هددت بإعلانها في أيار/ مايو 1999، ثم أيلول/ سبتمبر 1999، ثم أيار/ مايو 2000، ثم أيلول/ سبتمبر 2000. وكان الصهاينة لا يتعاطون بكثير من الجدية مع هذه التهديدات لأنهم يعلمون أن هذا الإعلان السياسي لن يغير من واقع احتلالهم للضفة والقطاع، لكنه يمكن أن يسبب بعض المتاعب السياسية التي يمكن في النهاية التعامل معها. وقد بدا الوضع "مأساوياً" في شهر شباط/ فبراير 2000 لدرجة أن عمرو موسى وزير الخارجية المصري وصف المسيرة السلمية بأنها "عبثية" بناء على الحالة المحبطة التي نقلها ياسر عرفات للرئيس المصري مبارك عندما التقى به في القاهرة[59].

 

غير أنه كانت هناك خشية "إسرائيلية" – فلسطينية - أمريكية من حالة الإحباط المتصاعدة في المنطقة، والتي يمكن أن تؤدي إلى انهيار مشروع التسوية. وأدركت الأطراف أنه لا بد من نهاية قصوى لحالة التسويف والابتزاز القائمة، وإلا فإن خيار الجهاد والمقاومة المسلحة سيعود للبروز من جديد.

 

ولذلك تواصلت مفاوضات المرحلة النهائية بشكل أكثر جدية في أماكن مختلفة مثل قاعدة بولينج الأمريكية في نيسان/ أبريل 2000، وفي استكهولم في أيار/ مايو 2000 وبدا أن الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي أخذا يكشفان أوراقهما حول الوضع النهائي، وانتقلت اللغة "المتشددة" من الطرفين إلى "تَفَهّم" أكثر لاحتياجات كل منهما.

 

وكان واضحاً في المفاوضات أن الكيان الإسرائيلي لا يزال يسعى للاحتفاظ بتفوقه الاستراتيجي على العالم العربي حتى بعد تحقيق التسوية، حتى إن باراك وصف السلام القادم بأنه سيكون في بداية الأمر "سلاماً مسلحاً"[60].

 

وقد حاولت الأطراف بشكل حثيث الوصول إلى تسوية قبل قدوم الموعد الأخير الذي ضربه الفلسطينيون لإعلان دولتهم (أيلول/ سبتمبر 2000). وفي حزيران/ يونيو قال باراك عقب اجتماعه مع دينيس روس المنسق الأمريكي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط "إن مفاوضات السلام مع الفلسطينيين بلغت درجة نضج تسمح بالتوصل إلى اتفاق وإن أياً من الطرفين لا يمكن أن يحقق كل أحلامه إلا إن هناك فرصة فريدة للطرفين للوصول إلى اتفاق تاريخي"[61].

 

وقد نشرت "يديعوت أحرنوت" في 23 حزيران/ يونيو 2000 نص وثيقة أمريكية تكشف استعداد "إسرائيل" للانسحاب من 90% من الضفة والقطاع ونقلهما للسيادة الفلسطينية الكاملة. والموافقة على أن يكون نهر الأردن والجسور المقامة عليه والأحياء العربية في القدس تخضع في النهاية لسيطرة الفلسطينيين، على أن تقوم "إسرائيل" بضم مناطق وتجمعات الاستيطان اليهودي الرئيسة في الضفة، ومن ضمها تلك القائمة في محيط منطقة القدس. وعلى أن تحل مشكلة اللاجئين على أساس مبدَأَي التعويض والتوطين، ولتحقيق ذلك يحصل الفلسطينيون على 40 مليار دولار والأردنيون على 40 مليار دولار أخرى، ويحصل اللبنانيون على 10 مليارات والسوريون على 10 مليارات. واقترح أن تقوم أمريكا بتغطية 25% من هذه المبالغ التي ستصرف على مدى 10-20 عاماً عن طريق إنشاء منظمة دولية جديدة تحل محل الأونروا. كما وعدت الوثيقة بمساعدات غير محددة للفلسطينيين، منها خمسة مليارات لإنشاء بنية تحتية لتوفير المياه[62].

 

وفي الوقت نفسه تسربت الأخبار عن مشروع فلسطيني للتسوية النهائية، نشرته صحيفة "يديعوت أحرنوت" في 25 حزيران/ يونيو 2000 على أساس ما أسمته "قائمة مطالب عرفات للسلام"، مشيرة إلى أنها نقلته عن مصدر إسرائيلي رفيع. وقد تضمن:

1. انسحاب إسرائيلي من 98.5% من الضفة الغربية.

2. الموافقة على بقاء جزء من المستوطنات تحت السيادة الإسرائيلية داخل حدود المستوطنة بالإضافة إلى 50 متراً خارج جدرانها.

3. الموافقة على أن الشوارع المؤدية للمستوطنات تكون تحت السيادة الإسرائيلية، أما جوانب الشوارع فتحت السيادة الفلسطينية.

وقد أشارت الوثيقة إلى أن عرفات سيوفق في النهاية على كتل استيطانية بحدود 4% من الضفة.

4. توضع القدس العربية (الشرقية) تحت السيادة الفلسطينية الكاملة، وتكون عاصمة فلسطين، مع بقاء الحي اليهودي وحائط البراق "حائط المبكى" وحي المغاربة تحت السيادة الإسرائيلية، فضلاً عن القدس الغربية، ومستوطنات معاليه أدوميم وجيلو وراموت.

5. بالنسبة للخليل: يقوم الإسرائيليون بإخلاء مستعمرة كريات أربع وحي أبراهام أبينو في الخليل، ويُمنحون طريقاً حرة للوصول إلى الحرم الإبراهيمي.

6. يوافق الفلسطينيون على استئجار الإسرائيليين قطعة ضيقة على شريط غور الأردن لفترة محدودة وتحت السيادة الفلسطينية.

7. يجب أن يعترف الإسرائيليون بحق العودة الكامل للاجئين الفلسطينيين، وبالاعتراف بمسئوليتهم عما حدث لهم، وتعويض من لا يرغب منهم بالعودة.

وقد أشارت الصحيفة إلى أن هناك ليونة خلف هذا الموقف الرسمي، إذ إن المسئولين الفلسطينيين سيوافقون في النهاية على إعادة 100 ألف فلسطيني في إطار جمع شمل العائلات.

8. الموافقة على أن تكون الدولة الفلسطينية منـزوعة من السلاح الثقيل.

9. تعويض الفلسطينيين عن المستوطنات الإسرائيلية التي ستضمها "إسرائيل" تحت سيادتها، وذلك بتسليمهم أرضاً مساحتها 200 كم2 من الأرض المحتلة سنة 1948 (داخل الخط الأخضر). واقترح أن تتكون من جزأين، الأول منطقة طولية تستخدم ممراً برياً بحيث تصل بين قطاع غزة وحاجز ترقوميا في أطراف جبل الخليل على حدود الضفة الغربية. أما الجزء الثاني فيكون جنوب مرج ابن عامر في منطقة القرية العربية "مقيبلة".

10. الإفراج عن كافة المعتقلين وتنفيذ فوري للانسحاب حسب اتفاق أوسلو[63].

 

ومن خلال النظر في المشروعين السابقين (الوثيقة الأمريكية، ومطالب عرفات) يتضح أن الطرفين اقتربا بصورة أكثر جدية من تحقيق حل دائم. وفي الوقت نفسه حافظ الطرفان على حالة من التوتير الإعلامي، كجزء من مناورات التسوية. فقد هددت السلطات الإسرائيلية باستخدام الدبابات والطائرات ضد المناطق الفلسطينية. وقد رد ياسر عرفات على ذلك في مهرجان خطابي في نابلس أمام الآلاف من مؤيديه من أنصار حركة فتح قائلاً "نحن مستعدون لأن نُشطب ونبدأ من جديد" وذكّر إسرائيل "بهزائمها" في الكرامة وبيروت والانتفاضة، وهدد بإشعال الانتفاضة من جديد[64].

 

وفي الجهة المقابلة، لم يكن باراك يتمتع بوضع مريح في حكومته ولا في الكنيست يمكنه من اتخاذ قرارات مصيرية. وحتى لو وافق على الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية، فإنه كان سيواجه احتمالات جدية بسقوط حكومته، وعدم تمرير الاتفاقات في الكنيست أو في الاستفتاء الشعبي. فقد كان حزب العمل الذي يتزعمه باراك لا يملك أكثر من 26 مقعداً من أصل 120 ويحكم ضمن تحالف متنافر يجمع اليمين الديني المتشدد مثل المفدال وشاس كما يجمع اليسار العلماني "ميرتس". وقد تمكن حزب الليكود المعارض في 2 مارس 2000 من تعقيد الوضع بالحصول على قرار من الكنيست بأن أي تسوية سياسية يجب أن تحصل على غالبية أصوات الناخبين المسجلين في استفتاء شعبي (وليس فقط أكثرية المشاركين في الانتخابات). وتزايدت معارضة اليمين الإسرائيلي للتسوية في شهر حزيران/ يونيو 2000، وانسحب عدد من الأعضاء اليمينيين من حكومة باراك مما أفقدها غالبيتها في البرلمان (الكنيست).

 

وفي يوم ذهابه إلى واشنطن للمشاركة في مفاوضات كامب ديفيد، اجتاز باراك "امتحان" إسقاط حكومته بصعوبة بالغة عندما طُرحت الثقة بحكومته، وفاز الاقتراح بغالبية 54 صوتاً ضد 52 صوتاً، لكنه لم يكن كافياً لإجباره على الاستقالة لعدم حصوله على أغلبية 61 صوتاً. وعلى ذلك، فإن باراك ذهب إلى المفاوضات وهو يعي تماماً قوة المعارضة "الإسرائيلية" للتسوية، وإدراكه عملياً أنه على الأغلب لن يستطيع تسويق التسوية للشارع الإسرائيلي في ظل تلك الأوضاع، حتى لو أراد حزب العمل ذلك. وهذا يضع علامة استفهام على مدى جدية باراك وحكومته في مفاوضات كامب ديفيد.

 

ومع اقتراب انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي كلينتون أخذ يسعى بقوة لتحقيق إنجاز تاريخي، فدعا إلى عقد مفاوضات التسوية النهائية في كامب ديفيد، باذلاً ما في وسعة لإنجاحها، مفرغاً نفسه عدة أيام في أثناء انعقادها. وقد انعقدت مفاوضات كامب ديفيد 12-25 تموز/ يوليو 2000 بحضور كلينتون وباراك وعرفات. وظهر أن المشروعين السابقين كانا أساساً لتلك المفاوضات.

 

وكان موضوع القدس هو العقبة الكأداء التي واجهت المؤتمر، والتي أدت إلى فشله، كما بقيت معضلة اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة دون حل. وكان موضوع السيادة على القدس الشرقية والوضع النهائي للمسجد الأقصى بالذات هم النقطتان الأكثر حساسية. إذ أصر الصهاينة على القدس عاصمة موحدة "لإسرائيل"، وعلى نوع من السيادة على حرم المسجد الأقصى الذي يسمّونه جبل (المعبد) الهيكل ، ويحلمون بإنشاء الهيكل اليهودي الثالث عليه. فكانت هناك اقتراحات بأن تكون هناك سيادة يهودية على الأرض تحت المسجد الأقصى، أو بالاشتراك مع المسلمين بجزء من حرمه، أو حتى ببناء المعبد اليهودي على أعمدة عالية فوقه. وقد أصرّت السلطة الفلسطينية على موقفها من السيادة على القدس الشرقية، وأبدت موافقتها على فكرة أن تكون القدس مدينة مفتوحة وعاصمة لدولتين، واستعدت للاستجابة للمتطلبات الأمنية الإسرائيلية بشأنها. وقد جرت محاولات لإنقاذ الموقف باقتراح تأجيل موضوع القدس مدة سنتين أخريين غير أن عرفات رفض ذلك، وأصرّ على موقفه بإسناد مصري سعودي قوي، وصرح بأن "القدس تحرق الحي والميت"، وبأنه "لم يولد الزعيم العربي الذي يتنازل عن القدس".

 

أما بالنسبة للصهاينة فإن مجمل ادعاءاتهم التاريخية والدينية في فلسطين تتركز حول القدس وبالذات "جبل المعبد" حسب تسميتهم للمسجد الأقصى. وهم يسعون منذ العشرينيات من القرن العشرين لهدم الأقصى وبناء هيكلهم، وكان الزعيم الصهيوني ديفيد بن جوريون الذي قام على عاتقه الكيان الإسرائيلي وكان أول رئيس وزراء له يقول إنه "لا معنى لإسرائيل دون القدس، ولا معنى للقدس دون الهيكل". وبحلول سنة 2000 كان الكيان الإسرائيلي قد قام بالكثير من الخطوات العملية لتهويد القدس الشرقية فأسكن فيها نحو 200 ألف مستوطن متوزعين على 27 مستوطنة وحي يهودي، وبحيث تفصل القدس عن محيطها العربي في الضفة. كما قام بعمليات حفريات مكثفة تحت المسجد الأقصى وصلت إلى عشر مراحل، وحفر خلالها أربعة أنفاق وفرّغ من تحته الأتربة، وحاول إذابة الصخور بالمواد الكيماوية مما هدد بانهيار المسجد الأقصى في أي لحظة. كما وقع أكثر من 120 اعتداء على الأقصى، حدث ثلثاها في السنوات التي تلت توقيع اتفاق أوسلو سنة 1993.

 

وقبيل انهيار المفاوضات، وعندما أخذت نذر الفشل تلوح في الأفق عاد الطرفان للغة التهديد. فقد حذر باراك الفلسطينيين من "مواجهة نتائج مأساوية في حال الفشل" وقال "إذا لم تصلوا إلى اتفاق معي فسأكون آخر رئيس وزراء إسرائيلي يمكن التوصل إلى اتفاق معه"، كما بدأت القوات الإسرائيلية استعدادات عسكرية واسعة لخوض المواجهات في حال فشل القمة[65].

 

وذكر عماد الفالوجي وزير المواصلات في السلطة الفلسطينية أن المنطقة مقبلة على "مستقبل أسود" إذا فشلت قمة كامب ديفيد[66]. وتوقعت مصادر أمنية إسرائيلية حسبما نقلت صحيفة "يديعوت أحرنوت" أنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق فإن يتوقع حدوث مواجهات شاملة يحاول الفلسطينيون خلالها تحقيق عدة أهداف أبرزها:

1. توحيد الصف الفلسطيني من مؤيدي السلطة ومعارضيها، بقصد تصليب الموقف الفلسطيني تجاه المفاوضات.

2. تحقيق مكاسب إقليمية بتنظيم مسيرات ومظاهرات باتجاه المستوطنات "الإسرائيلية" ومناطق "ب"، ومحاولة الاستيلاء على ما يمكن الاستيلاء عليه سلمياً.

3. إظهار "إسرائيل" على أنها دولة محتلة عدوانية، لا تتورع عن ارتكاب المجازر لتكريس احتلالها، مما يضطرها في النهاية إلى الرضوخ للإرادة الدولية والانسحاب[67].

 

وعندما انهارت المفاوضات فعلياً أعلن الجيش "الإسرائيلي" استعداده لأي احتمالات مع الفلسطينيين. وفي الجهة المقابلة، أعلن وزير العدل الفلسطيني فريح أبو مدِّين بأن "الوضع خطير جداً، وكل الاحتمالات لدينا مفتوحة" وقال إنه إذا ما وصلت العملية إلى صدام دموي "فإن المنطقة ستنهار، بل كل الشرق الأوسط سينهار، وحتى عملية السلام مع مصر والأردن"[68].

 

ولم تكن هذه التوقعات بعيدة عن الموضوعية، والقدرة على الاستشراف السياسي للمستقبل، إذ وقعت انتفاضة الأقصى التي شغلت العالم ولا تزال تشغله منذ 28 أيلول/ سبتمبر 2000.

 

مشروع بيل كلينتون للسلام كانون أول/ ديسمبر 2000:

إثر فشل مفاوضات كامب ديفيد كانت كل عناصر تفجير الموقف جاهزة، فقد كان هناك حالة إحباط فلسطيني واسعة تجاه عملية التسوية، واضطرت السلطة الفلسطينية إلى تأجيل إعلان الدولة الفلسطينية عن موعدها المقرر في 13 أيلول/ سبتمبر 2000 إلى إشعار آخر. وكانت الحكومة الإسرائيلية بقيادة باراك تتكئ على أقلية برلمانية لا تمكنها من اتخاذ قرارات جريئة أو مصيرية، هذا إذا كانت هي أصلاً مخلصة في الوصول إلى تسوية تُرضي السلطة الفلسطينية. وظل الحد الأدنى الفلسطيني أعلى من السقف "الإسرائيلي"، خصوصاً فيما يتعلق بالقدس واللاجئين. وبدا للطرفين أنهما قدما أفضل ما يستطيعان، وأنهما وصلا إلى طريق مسدود. ووفق الحسابات السياسية فإن "تنازل" أي طرف في تلك القضايا الجوهرية كان يعني سقوطه شعبياً، وبالتالي سقوط التسوية نفسها.

 

وعندما اشتعلت انتفاضة الأقصى إثر زيارة شارون لحرم المسجد الأقصى في 28 أيلول/ سبتمبر 2000 وجد الطرفان فرصتهما لتحقيق مزيد من الضغوطات لإجبار الطرف الآخر على التنازل. ودخلت المعارضة الفلسطينية وعلى رأسها حماس لتؤكد صحة الخيار الجهادي والكفاح المسلح، كما برز دعم في العالم العربي والإسلامي لم يسبق له مثيل للانتفاضة، مؤكداً حق الفلسطينيين في أرضهم ومقدساتهم وبناء دولتهم المستقلة. وفي الوقت نفسه، ازداد اليمين المتطرف قوة في الوسط "الإسرائيلي" الصهيوني. وانزوى خيار السلام مع ازدياد العجرفة الصهيونية وقتل الأبرياء وهدم البيوت، ومع ازدياد العمليات الجهادية القوية التي أحدثت لأول مرة "توازن ردع" مع الكيان "الإسرائيلي".

 

ورغم أن باراك استخدم كل ما في جعبته من وسائل إرهاب وتدمير وقتل ومن خبرات له كقائد للجيش ورئيس سابق للأركان، وفضح الوجه البشع له ولحزب العمل الذي عمل طويلاً على تجميله. رغم كل ذلك، فقد اضطر باراك للاستقالة في 9 كانون أول/ ديسمبر 2000 مما فتح المجال للتنافس على منصب رئيس الوزراء في انتخابات تعقد خلال ستين يوماً.

 

وفي الولايات المتحدة فاز جورج بوش الابن مرشح الحزب الجمهوري على نائب الرئيس الأمريكي آل جور مرشح الحزب الديموقراطي بأغلبية ضئيلة. وسعى بيل كلينتون في الأيام القليلة المعدودة التي ظلت لولايته (حتى 20 كانون ثاني/ يناير 2001) إلى تقديم مشروع اللحظات الأخيرة، وإلى دعوة الطرفين الفلسطيني و"الإسرائيلي" للقدوم إلى واشنطن لإجراء المباحثات. واستناداً إلى ما سجله مسؤولون أمريكيون في 23 كانون أول/ ديسمبر 2000 في أثناء لقاء الرئيس كلينتون مع مسئولين فلسطينيين و"إسرائيليين" فإن مشروع كلينتون يتضمن النقاط التالية:

 

أولاً: الأراضي:

1. دولة فلسطينية على 94 - 96% من الضفة و 100% من القطاع.

2. في مقابل الجزء الذي تضمه "إسرائيل" عليها أن تعطي 1-3% من "أراضيها" [الأراضي التي احتلتها عام 1948] إلى الطرف الفلسطيني، بالإضافة إلى معبر دائم آمن بين الضفة والقطاع.

3. خريطة الدولة الفلسطينية يجب أن تستجيب للمعايير التالية:

أ- 80% من المستوطنين اليهود يبقون في مجمعات استيطانية.

ب- تواصل الأراضي

ج- تخفيض عدد المناطق التي تضمها "إسرائيل" إلى الحد الأدنى.

د- تخفيض عدد الفلسطينيين الذين سيتأثرون بهذا الضم إلى الحد الأدنى.

ثانياً: الأمن: حضور إسرائيلي في مواقع ثابتة في وادي الأردن تحت سلطة قوة دولية، ولفترة محدودة قابلة للتعديل من 36 شهراً.

ثالثاً: القدس: المبدأ العام أن المناطق الآهلة بالسكان العرب هي مناطق فلسطينية، والآهلة باليهود هي مناطق "إسرائيلية".

رابعاً: الحرم (المسجد الأقصى): حل يضمن رقابة فعلية للفلسطينيين على الحرم، مع احترام معتقدات اليهود. وهناك اقتراحان: إما سيادة فلسطينية على الحرم، وسيادة إسرائيلية على حائط البراق وسيادة على المجال المقدس لدى اليهود أي المسطح السفلي للحرم.

أو: سيادة فلسطينية على الحرم وإسرائيلية على البراق، وتقاسم السيادة على مسألة الحفريات تحت الحرم وخلف حائط البراق.

خامساً: اللاجئون: المبدأ الأساسي أن الدولة الفلسطينية هي الموقع الرئيسي للفلسطينيين الذين يقررون العودة إلى المنطقة من دون استبعاد أن تستقبل إسرائيل بعضهم.

ويتم تشكيل لجنة دولية لضمان متابعة ما يتعلق بالتعويضات والإقامة.

سادساً: نهاية النـزاع: يمثل هذا الاتفاق بوضوح نهاية النـزاع، ويضع تطبيقه حداً لأي مطالبة[69].

 

وفي مفاوضات واشنطن وافق الطرف "الإسرائيلي" لأول مرة في 21 كانون أول/ ديسمبر على تقديم تنازلات بشأن السيادة على القدس الشرقية، وفي 27 من الشهر نفسه ألغى عرفات اجتماعاً مع باراك رافضاً الخطوط العامة للاتفاقية المقترحة. وفي 3 كانون ثاني/ يناير 2001 وافق عرفات من حيث المبدأ على مقترحات كلنيتون كإطار للتسوية، لكنه أبدى تحفظات هامة عليها، وفي اليوم التالي رفض الإعلان بوضوح عن موافقته على المقترحات حيث لا يسمح المشروع لملايين اللاجئين بالعودة إلى الأرض المحتلة عام 1948، كما لا يحدد بوضوح الحدود المقترحة للدولة الفلسطينية. ولقي موقف عرفات دعم الزعماء العرب في اجتماع في القاهرة حول حق اللاجئين في العودة. وقد وصف البعض المقترحات الأمريكية بأنها مقترحات "إسرائيلية" بثوب أمريكي. ورغم أن "الإسرائيليين" وافقوا مبدئياً على الاقتراحات كإطار للتسوية ألا أنهم أبدوا من جهتهم بعض التحفظات. ورفض باراك سيادة الفلسطينيين على المسجد الأقصى[70].

 

وفشلت محادثات واشنطن وانتهت ولاية كلينتون دون التوصل إلى اتفاق.

 

وقد كان كلينتون من الغرابة والوقاحة إلى حد أنه وصف أن جوهر المشكلة "هو أن اليهود عندما عادوا إلى وطنهم وجدوا أن هناك شعباً آخر"!! حسبما ذكر في خطاب في واشنطن في 8 كانون ثاني/ يناير 2001[71].

 

وفي محاولة أخيرة لإنجاز التسوية قبل الانتخابات "الإسرائيلية" عُقدت في "طابا" المصرية مباحثات 20 - 27 كانون ثاني/ يناير 2001 ولم تتمكن من الوصول إلى تسوية نهائية، لكن بياناً مشتركاً ذكر أن الطرفين "كانا أقرب من أي وقت مضى للوصول إلى تسوية" وأنهما سيوصلان المحادثات بعد الانتخابات "الإسرائيلية"[72].

 

شارون وتعطّل مسار التسوية:

فاز أريل شارون برئاسة الوزراء في الانتخابات العامة التي عقدت في 6 شباط/ فبراير 2001 ضد منافسه باراك وبفارق تاريخي كبير يزيد عن 25%، مما أكد ازدياد التطرف والتشدد لدى المجتمع الصهيوني.

 

وقد أعاد شارون مسار التسوية سنوات إلى الوراء، فعرض على الفلسطينيين حكماً ذاتياً على 40 - 45% من الضفة الغربية، ورفض الدخول في أي مباحثات قبل توقف الانتفاضة. وحاول أن يُسوّق في أواخر نوفمبر 2001 فكرة دولة غزة أولاً.

 

لقد جاء شارون ببرنامج أمني يَعِد الصهاينة بالأمن عن طريق سحق الانتفاضة بالقوة. وهو باعتباره أشد الصهاينة تطرفاً، وأكثر من ولغ في دماء الفلسطينيين منذ الخمسينيات مروراً بمذابح صبرا وشاتيلا سنة 1982، وأنشط من شجع الاستيطان ومصادرة الأراضي في الضفة والقطاع عندما كان وزيراً للإسكان، فقد جاء إلى الحكم بعقلية العسكري الجنرال ووزير الدفاع السابق الذي يرى العنف أفضل وسيلة للتعامل. ولذلك لم تكن عملية التسوية من أولوياته، ولا استرضاء الفلسطينيين ضمن برنامجه.

 

وقد وعد "الإسرائيليين" بالأمن خلال مائة يوم، لكنه فشل (بعد أكثر من سنة ونصف من انتخابه) في ذلك فشلاً ذريعاً، ولا تزال المقاومة الفلسطينية توجه ضربات قاسية في العمق الصهيوني الذي يعيش حالة من التردي والهلع. لكن المجتمع "الإسرائيلي" لا يزال يدعم شارون وبرنامجه، لأنه ربما كان السهم الأخير في جعبة التطرف لديه، ولأنه يقود حكومة وحدة وطنية، أي أن البدائل الأفضل غير متوفرة حالياً.

 

ولأن المجتمع الصهيوني يعلم أن سقوط شارون يعني ثمناً كبيراً يجب دفعه للفلسطينيين.

 

مبادرة الأمير عبد الله:

وفي شهر فبراير 2002 رشحت أنباء عن مبادرة لولي العهد السعودي الأمير عبد الله في مقابلة أجراها الأمير مع توماس فريدمان كاتب التحقيقات في النيويورك تايمز وتداولتها وسائل الإعلام العربية في 18 فبراير 2002.

 

والمبادرة التي أكدتها السعودية رسمياً فيما بعد ترتكز أساساً على فكرة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأرض المحتلة سنة 1967 وقيام الدولة الفلسطينية عليها، مقابل السلام الكامل والاعتراف والتطبيع العربي الشامل مع "إسرائيل".

 

والمبادرة لا تختلف كثيراً عن المبادرات العربية السابقة، سوى - ربما - في وضوحها فيما يتعلق بالتطبيع العربي الشامل.

 

وقد لقيت المبادرة ترحيبا أمريكياً وأوربياً مبدئياً، كما لقيت ترحيباً من الأمين العام للأمم المتحدة، ومن عدد من الأطراف العربية. ولكن حدثت تساؤلات حول موقف المبادرة من حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى أرضهم، وقد أكد الأمير عبد الله على عدم التنازل عن هذا الحق.

 

وقد حاول الكيان الإسرائيلي الالتفاف على المبادرة بإعلان أنها خطوة إيجابية واستعداد شارون لمقابلة الأمير عبد الله، غير أن شارون رفض مبدأ الانسحاب من كل الأرض المحتلة سنة 1967. وقد رفضت السعودية العرض الإسرائيلي، وقالت إن اختزال إسرائيل للمبادرة في شكل عقد لقاءات ثنائية يكشف رفض إسرائيل للمبادرة.

 

وقد قرر الأمير عبد الله طرح مبادرته في مؤتمر القمة العربي التي انعقدت في بيروت في 27 - 28 مارس 2002. وبالفعل، تبنى مؤتمر القمة العربي المبادرة وحوَّلها إلى مبادرة عربية شاملة، غير أن غياب 11 رئيس دولة عربياً بالإضافة إلى عدم قدرة ياسر عرفات على حضور القمة بسبب الحصار الإسرائيلي على مقره قد أضعف من قوة زخم هذه المبادرة.

 

قرار مجلس الأمن الدولي:

ومن جهة أخرى أصدر مجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2002 قراره رقم 1397 أوضح فيه لأول مرة رؤيته لمستقبل الصراع بقيام دولة فلسطينية تتعايش إلى جانب "إسرائيل". ولكن هذا القرار لم يحدد جدولاً زمنياً لذلك، ولم يتخذ طابعاً إلزامياً "لإسرائيل" بالانسحاب، كما لم يحدد شكل الدولة ولا حدودها.

 

وبعد ذلك بنحو ثلاثة أشهر ونصف (26 يونيو 2002) قدم الرئيس الأمريكي جورج بوش رؤيته للتسوية السلمية. ووضع شروطاً مستحيلة للوصول إلى قيام الدولة الفلسطينية. فقد طالب بوقف الانتفاضة وسيطرة السلطة تماماً على الأوضاع، وإصلاح السلطة ومؤسساتها، وتغيير القيادة الفلسطينية بما فيها عرفات.... وقد أثارت شروطها مشاعر بالمرارة والسخرية فلسطينياً وعربياً ودولياً، وحتى في أوساط حلفائه الأوربيين، بل وحتى من قيادات سياسية إسرائيلية. واعتبره الكثيرون ممثلاً ليس لمصالح وبرامج الإسرائيليين ففط، وإنما لرؤية شارون والليكود للتسوية... حتى إن عدداً من قيادات حزب العمل الإسرائيلي انتقدت المبادرة.

 

وقد عكست مبادرة بوش مدى النفوذ الصهيوني " الليكودي" في الإدارة الأمريكية، ومدى إيغال الولايات المتحدة في الاستخفاف بحقوق الفلسطينيين حتى تلك التي أقرتها مواثيق الأمم المتحدة وقراراتها. بينما اعتبرها الآخرون أنها في أحسن الأحوال تعكس مدى جهل الرئيس بوش بحقائق الوضع على الأرض في فلسطين.

 

رؤية تحليلية للموقف العربي والفلسطيني و"الإسرائيلي" من التسوية

من خلال العرض السابق، لاحظنا أن إقبال الأنظمة العربية و م.ت.ف على المشاركة في عملية التسوية السلمية ينطلق أساساً من خلفيتين:

الأولى: حالة العجز العربي واختلال موازين القوى بما يجعل مستحيلاً في المدى المنظور تحرير فلسطين بالوسائل العسكرية.

 

والثانية: عامل الزمن، وشعور الأنظمة العربية أن الزمن لا يعمل لصالحها حيث يقوم الكيان الصهيوني ببناء الحقائق على الأرض، وأن الأولى إيقاف تمدُّد المشروع الصهيوني، وإنقاذ ما يمكن من أرض قبل فوات الأوان.

 

وقد يبدو هذا التفكير للوهلة الأولى منطقياً، لكن المشكلة الأساسية تكمن في التعامل مع العجز المؤقت باعتباره قدراً وعجزاً دائماً، وفي الاستسلام ابتداءً إلى مستقبل منهزم، فضلاً عن الحاضر المتردي. كما أنه تفكير لا يدرك تماماً حاجة العدو الصهيوني الماسة للتسوية لتجاوز العديد من أزماته ومشاكله. وهو تفكير يُعبِّر عن إشكالية غياب الإرادة، وغياب الرؤية لأدوات التغيير في المستقبل، كما أنه لا يستوعب دروس التاريخ التي انتهت عادة بإزالة الاستعمار والاحتلال ولو بعد مئات السنين، ما دام هناك شعوب لم تنس قضيتها ومستعدة للبذل في سبيلها. وهو يكشف في الوقت نفسه حالة الأنظمة العربية في الانكفاء القطري على مصالحها الخاصة، وفقدانها لاستراتيجيات مشتركة جادة في تحقيق الوحدة التي لن تقوم إلا بزوال الكيان الصهيوني، كما أن الكيان الصهيوني لن يزول إلا إذا خطى مشروع الوحدة خطوات كبرى. ويميط التدقيق في الموضوع اللثام عن الأزمة الداخلية التي تعيشها هذه الأنظمة. إذ إن الانتصار على المشروع الصهيوني يستدعي مشروعاً حضارياً، وحالة نهضوية عامة، لا يمكن أن تتكون بداياتها الأولى إلاّ بفتح أبواب الحريات للجماهير، والمشاركة الشعبية في الحكم من خلال مؤسسات شورية "ديموقراطية" تستطيع أن تنتخب الكفؤ، وتحاسب المقصر وتعزله. ويأمن الناس على حقوقهم وأموالهم وأعراضهم. وعند ذلك يمكن أن تعود الأموال المهاجرة والعقول المهاجرة ... ولا يمكن لهذا المشروع أن يستقيم إلا إذا توافق مع عقيدة الأمة وتراثها، بحيث يمكن أن يفجر فيها العزة والكرامة وروح التضحية والإبداع. وما دامت الأنظمة مستندة إلى الجيش والمخابرات وأقلية من المنتفعين ... فإن مشروع النهضة سيبقى معطَّلاً وبالتالي سيتعطل مشروع التحرير، وسيكون العجز والتسوية السلمية هو البديل الوحيد الذي تُلحُّ الأنظمة على إقناعنا به.

 

كما لا بد من الإشارة إلى أن الأنظمة العربية والإسلامية تعاملت مع قضية فلسطين ليس بوصفها قضيتها الأساسية المركزية، وإنما بوصفها قضية "جيران" تعرضوا للظلم ويحتاجون بعض الدعاء والمساعدة. وعلى هؤلاء "الجيران" أن يُقدِّروا "الضيافة"، وأن يعلموا أن للمساعدة حدوداً، فلا يستطيع هؤلاء تنظيم أنفسهم وتشكيل مؤسساتهم بحرية في تلك الأقطار، ولا يستطيعون إقامة قواعد عسكرية أو اختراق حدود بلاد الطوق العربي لتنفيذ عمليات المقاومة. والمشكلة هنا أن "النظام العربي" لا يشعر أن بيته هو الذي يحترق، وأن العدو انتهك حرمة منـزله. وهذا جوهر إشكالية النظام القطري في التعامل مع قضايا "الأمة". على أن الوجه الآخر للموضوع هو عدم إدراك الأنظمة العربية والإسلامية لطبيعة المشروع الصهيوني وأهدافه، والذي لم يستهدف الفلسطينيين فقط ولا فلسطين وحدها. إن احتلال المشروع الصهيوني لفلسطين هو مجرد ركيزة ومنطلق لإبقاء الأمة العربية والإسلامية ضعيفة مفككة يمنع وحدتها ونهضتها ويبقيها في دوائر التخلف والتبعية. لأنه يدرك تماماً أن قوة الأمة ووحدتها خطر أكيد على بقائه ويعني زواله عاجلاً أم آجلاً. وبالتالي فإن شرط نُموِّه وبقائه مرتبط بضعف الأمة وتفككها، كما أن وحدة الأمة ونهضتها مشروطة بإنهاء هذا المشروع وزواله.

 

وفي الجانب الفلسطيني يتنازع الفلسطينيين تياران أساسيان تجاه التسوية، الأول هو تيار القيادة المتنفذة في م.ت.ف وتدعمه أساساً حركة فتح وهو يدعم مسار التسوية واتفاقات أوسلو، والثاني هو تيار المعارضة الفلسطينية الذي تقوده أساساً حركة حماس وعدد من فصائل المقاومة كالجهاد الإسلامي والشعبية والديموقراطية وغيرها. وفي مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة يكاد التياران يتناصفان الدعم الجماهيري. أما في خارج فلسطين حيث يوجد أكثر من نصف شعب فلسطين، والذي ستحرمهم أية تسوية سلمية من حقهم في العودة إلى وطنهم، فإن هناك مؤشرات على رفض الغالبية لاتفاقيات أوسلو وما ينبني عليها.

 

غير أنه ينبغي التفريق بين قبول الفلسطينيين للتسوية السياسية كحل مرحلي هو أفضل ما يمكن تحصيله في الظرف الراهن، وبين إيمانهم بحقهم المطلق في فلسطين من نهرها إلى بحرها، وإيمانهم بضرورة زوال الكيان الصهيوني. بمعنى أن الأغلبية الساحقة للفلسطينيين غير مقتنعة "بعدالة" التسوية السياسية أياً كانت، ولا مقتنعة بأن هذا الحل هو حل "دائم". وعلى سبيل المثال فعندما كانت اتفاقية أوسلو تعيش أفضل أيامها في البداية مع وعود الرخاء وانسحاب المحتلين وإقامة الدولة الفلسطينية فإن أكثر الذين عبأوا استطلاعاً للرأي العام حول موقفهم من اتفاق أوسلو أبدوا موافقة عليه (نحو 55%). وأجاب نفس الذين عبأوا هذا الاستطلاع على سؤال آخر حول إيمانهم بحقهم في فلسطين المحتلة سنة 1948 (الأرض التي قام عليها الكيان الصهيوني، والخارجة عن دائرة التفاوض أصلاً) فأجاب 86% بأنهم يؤمنون بحقهم فيها. مع العلم أن الذين قاموا بالاستبيان كانوا من مؤسسات تدعمها م.ت.ف التي تبنت التسوية.

 

وبالنسبة للشعب الفلسطيني فإن كلمة "الحل العادل والدائم" التي تُطرح عادة في كل مشاريع التسوية، تصبح مصطلحاً عبثياً يفقد دلالته الحقيقية. فهل يستطيع أحد أن يقنع 4.8 ملايين لاجئ فلسطيني خارج فلسطين بأن الحل العادل الدائم يكمن في توطينهم حيث هم، وفي ترك أرضهم لليهود الصهاينة؟! وفي أن للصهاينة حقاً في 77% من أرض فلسطين لينشئوا عليها دولتهم لقد أشارت استطلاعات الرأي العام التي أجريت مؤخراً وسط اللاجئين الفلسطينيين أن 98% منهم يرفضون التنازل عن حقهم في العودة إلى الأرض المحتلة عام 1948، ويرفضون التوطين أو التعويض. وفوق ذلك من يملك أن يقنع العرب بالتخلي عن عروبة فلسطين؟ ومن يملك أن يقنع المسلمين بالتخلي عن إسلاميتها وقدسيتها؟

 

إن إشكالية التسوية تكمن في أنها تحمل بذور فشلها في ذاتها، وتحمل عناصر تفجيرها في بنودها. وستبقى مسألة الأرض وهويتها، ومسألة العودة، ومسألة القدس ... تضطرم في النفوس وستظل تتفجر بين آن وآخر لتؤكد أن "السلام" غير عادل ولا دائم.

 

وقد أفرزت انتفاضة الأقصى واقعاً جديداً وحَّد مختلف التيارات الفلسطينية (بما فيها فتح) حول برنامج المقاومة. واكتسب خيار الجهاد مصداقية وشعبية متزايدة، ووصل الأمر إلى أن يزيد عدد مؤيدي العمليات الاستشهادية (حتى وإن كانت ضد المدنيين الإسرائيليين) في استطلاعات الرأي العام المحايدة في الضفة والقطاع إلى نحو 80%. وقد وضعت الانتفاضة مشروع التسوية في مهب الريح. وإذا كان هذا المشروع يمشي على عُكَّازين في السنوات الماضية، فقد بدا عاجزاً حتى عن استخدام العكازات!!

 

أما في الجانب "الإسرائيلي" الصهيوني فإن الرغبة في التسوية السلمية ترتكز أساساً على قضية جوهرية تؤرِّق قادته وهي التحول إلى كيان سياسي "طبيعي" في المنطقة. وتحويل النظرة إلى الكيان الصهيوني من كيان "سرطاني" وخطر يجب استئصاله، إلى "ظاهرة صحية" طبيعية. لأن الجانب الصهيوني يدرك تماماً أن لا مستقبل له في المنطقة دون ذلك. وأنه ما دامت حالة العداء موجودة وما دامت المعركة معركة أجيال متواصلة، فإن العرب والمسلمين سيملكون يوماً ما - مهما طال - أدوات القوة والدمار الشامل، كما لن تبقى الظروف السياسية العربية والإسلامية والدولية على حالها إلى الأبد، وبالتالي فإن هذا الكيان سيبقى مهدداً بالزوال لحظة تغير موازين القوى.

 

لقد دفع هذا الشعور رئيس المنظمة الصهيونية العالمية ناحوم جولدمان N. Goldman (1956 - 1968)، وهي المنظمة التي أنشأت الكيان الصهيوني إلى القول "لا يوجد لإسرائيل مستقبل على المدى الطويل دون تسوية سلمية مع العرب". بل واعترف أن بن جوريون (الذي قام على أكتافه إنشاء الكيان الصهيوني، وكان أول رئيس وزراء له والشخصية الأولى فيه حتى نحو 1963) قال له سنة 1956 إن الدولة اليهودية ستستمر في العشر أو الخمس عشر سنة القادمة ولكن احتمالات وجودها بعد ذلك هي 50%. وعلى هذا فإن الجانب الصهيوني بحاجة ماسة إلى تسوية تضمن بقاءه. وأفضل وقت يمكن عقد تسوية فيه هو هذا الوقت الذي اجتمعت فيه خمسة عناصر قلما تجتمع في ظرف تاريخي واحد وهي:

1. قوة الكيان الصهيوني بحيث يستطيع هزيمة البلاد العربية مجتمعة.

2. قوة النفوذ اليهودي الصهيوني الدولي، وبلوغه درجة كبرى من العلو في الأرض، تمكنه من الضغط والتأثير على القرار السياسي في الولايات المتحدة ومعظم الدول الكبرى.

3. وقوف الدولة الأقوى في العالم "الولايات المتحدة" مع الكيان الصهيوني، وتحالفها الاستراتيجي معه. وخضوع العالم حالياً لوضع "أحادي القطبية" بقيادة الولايات المتحدة وحدها.

4. حالة ضعف وعجز وانهزام عربي وإسلامي عام.

5. إن م.ت.ف وهي الطرف الذي يمثل الفلسطينيين قد دخلت بقوة في مشروع التسوية، وقبلت بالاعتراف بالكيان الصهيوني، وحقه في العيش ضمن حدود آمنة على 77% من أرض فلسطين التاريخية.

 

لكن الصهاينة ينقسمون إلى مدرستين تجاه التسوية السلمية، وشكل تحقيقها:

المدرسة الأولى: مدرسة حزب العمل ومن يدور في فلكه، وهو الحزب الذي قام على عاتقه إنشاء الكيان الصهيوني وقيادته حتى سنة 1977 (ثم تداول القيادة مع الليكود). وهي مدرسةٌ تركز على الحفاظ على الطابع اليهودي للكيان الإسرائيلي، وتسعى بشكل أكبر إلى التحول إلى كيان طبيعي في المنطقة. هي بالتالي لا تضع في هذه المرحلة عملية التوسع الجغرافي على رأس أولوياتها، لأنها تدرك أن ضم أراضي جديدة يسكن عليها ملايين العرب، في الوقت الذي نضبت فيه ينابيع الهجرة اليهودية ... سيؤدي إلى فقدان الكيان هويته اليهودية، كما سيشغله بمصاعب أمنية واقتصادية كبيرة، ولذلك تسعى هذه المدرسة لتحقيق مخططها الصهيوني في هذه المرحلة من خلال الهيمنة الاقتصادية على المنطقة، وتحولها إلى كيان طبيعي من خلال إيجاد أوضاع سياسية وثقافية وإعلامية وأمنية تخدم مثل ذلك التصور. والمنظِّر الرئيسي له الآن هو شمعون بيريز الذي طرح أفكاره من خلال كتابه "شرق أوسط جديد".

 

المدرسة الثانية: مدرسة حزب الليكود، وهو الحزب الذي يتداول السلطة مع حزب العمل منذ 1977 (بيغن - شامير - نتنياهو - شارون ..). وهي مدرسة تمجِّد استخدام القوة، وتؤكد على فكرة الحدود التاريخية للكيان الإسرائيلي. وكان مؤسس الحزب ورئيسه بيغن يقول "أنا أقاتل، إذن أنا موجود"، وهو وحزبه يَعدَّان الأردن أرضاً إسرائيلية محتلة. ومع ذلك فإن هذه المدرسة مستعدة للتعاطي مع العمل السياسي وفق ما يخدم المصلحة الإسرائيلية تكتيكياً. لكن هذه المدرسة لا تثق بأن العرب والمسلمين سيتحولون يوماً ما إلى أصدقاء، وهي ليست مطمئنة إلى فكرة التحول إلى كيان طبيعي، وإن كانت ترغب بذلك. كما أنها لا ترى في ظلِّ الأوضاع وموازين القوى التي تمثل إلى صالحها بشكل صارخ ما يجبرها على تقديم تنازلات للفلسطينيين والعرب. وترى أن الأفضل هو العمل الحثيث على استجلاب مزيد من اليهود وتهويد للضفة والقطاع، وبناء حقائق على الأرض يستحيل التنازل عنها، وخلال ذلك الزمن إما أن يستجيب العرب والفلسطينيون للتصور الليكودي للتسوية (حكم ذاتي على السكان وليس على الأرض)، أو أن يكون قد تم تهويد الأرض. كما يأمل بعض المحسوبين على هذه المدرسة بتحقيق تهجير طوعي أو قسري للفلسطينيين من الأرض المحتلة سنة 1948 والضفة الغربية وقطاع غزة ... وبذلك "يحلّون المشكلة من جذورها" ويجيبون على مسألة تحدي بقاء الدولة اليهودية.

 

وعلى ذلك، فإن إشكالية التسوية عند الصهاينة مرتبطة بعملية المزاوجة بين مثلث:

1. الحفاظ على الأمن.

2. والحفاظ على الأرض.

3. والحفاظ على الهوية اليهودية للدولة.

 

وقد تختلف أضلاع المثلث وزواياه عند جهة دون أخرى بناء على ترتيب الأولويات أو تحليل الأمور. لكن هناك قواسم مشتركة بين كافة الأطراف الصهيونية من أقصى يمينها إلى أقصى شمالها:

1. لا تنازل عن الأرض المحتلة سنة 1948 أي نحو 77% من أرض فلسطين.

2. لا لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى الأرض المحتلة عام 1948، لأنه يعني عملياً فقدان اليهود للأغلبية السكانية وفقدان المشروع الصهيوني لأساس تكوينه، وهو بناء الدولة اليهودية. (اللاجئون الفلسطينيون الذين ينتمون إلى مدن وقرى وبادية الأرض المحتلة سنة 1948 يقدرون بخمسة ملايين ومائة ألف حالياً، فلو عاد هؤلاء وانضموا إلى إخوانهم المليون و150 ألف فلسطيني لا يزالون يعيشون تحت حكم الكيان الإسرائيلي في أرض الـ1948 لأصبح عددهم أكبر من المجموع الكلي لليهود في فلسطين. إذ يقدر عدد اليهود في فلسطين المحتلة بخمسة ملايين حسب إحصاءات سنة 2000).

3. لا تزال الأغلبية الساحقة لكافة التيارات الصهيونية ترفض التنازل عن السيادة عن القدس الشرقية، وخصوصاً منطقة المسجد الأقصى، باعتبارها "جبل المعبد".

4. توافق كافة الأطراف الصهيونية أن الدولة الفلسطينية إذا ما قامت في الضفة والقطاع فيجب ألا تكون مكتملة السيادة بالمفهوم المتعارف عليه سياسياً ودولياً، كأن تكون منـزوعة من السلاح الثقيل، وأن تضمن الأمن الصهيوني من جهتها.

 

وأن على العرب والفلسطينيين الذين لا تعجبهم القواسم الصهيونية المشتركة، أن يبحثوا عن حل غير التسوية السلمية. وقد يوافق الصهاينة على عودة رمزية لنسبة ضئيلة من اللاجئين، وقد يوافقون على بعض الترتيبات الحدودية بتبادل بعض الأراضي، بشرط ألا يغير ذلك من جوهر الأوضاع.

 

وقد انعكست مفاوضات كامب ديفيد (يوليو 2000) وانتفاضة الأقصى (منذ 28 سبتمبر 2000) على مزاج المجتمع الصهيوني تجاه التسوية. إذ ظن "الإسرائيليون" أنهم قدموا أفضل ما لديهم في المفاوضات "دونما فائدة"، وأدت حالة "الإحباط" هذه إلى تزايد الشعور بأن الفلسطينيين لا تنفع معهم سوى لغة القوة. وقوَّت الانتفاضة هذه المشاعر فانزوى ما يسمى بتيار "معسكر السلام" الإسرائيلي، بل وأظهرت الكثير من رموزه عنفاً وتطرفاً وشراسة كبيرة. وتمكن تيار الليكود من الفوز بانتخابات رئاسة الوزراء بأغلبية تاريخية لم يسبق لها مثيل (بفارق 25.7%) وظلت إلى الآن استفتاءات الرأي العام تدفع باتجاه الخيار الأمني، واستخدام وسائل أكثر وحشية وعنفاً.

 

وما يهمنا الإشارة إليه هنا الآن هو أن التيار المعادي للتسوية السلمية، وفق الحد الأدنى الفلسطيني، بل ووفق الحد الذي طرحه حزب العمل هو تيار واسع قوي يمكن أن يتسبب في إسقاط التسوية أو تعطيلها، وهو ليس تياراً معارضاً بعيداً عن السلطة، وإنما هو تيار يشارك في الحكم بل وينفرد به أحياناً عديدة، كما حدث خلال الخمس وعشرين سنة الماضية. وبالتالي فهو ليس مجرد تيار معارض يمكن قمعه وإسكاته كما يحدث في بلادنا العربية.

 

إن سلوك المجتمع الصهيوني النفسي العام يتأثر أساساً بقضيتين أو عقدتين اثنتين:

الأولى: الأمن.

والثانية: الوضع الاقتصادي.

 

ولا شك أن هناك عوامل أخرى تلعب دورها كالجوانب الدينية والتاريخية. لكن عقدتا الأمن والمال هما جزء من التكوين التراثي الديني التاريخي اليهودي نفسه. وقد أشار إلى جانب منهما القرآن الكريم، إذ قال تعالى: "ولتجدنهم أحرص الناس على حياة يود أحدهم لو يعمَّر ألف سنة ..."، وذكر الله تعالى قول اليهود: "إن الله فقير ونحن أغنياء".

 

وهاتان القضيتان لهما دورهما الجوهري في صناعة الرأي العام "الإسرائيلي"، وفي صناعة القرار السياسي، وفي سلوك الفرد "الإسرائيلي" العادي. وعادة ما يتعامل المجتمع الصهيوني مع مشروع التسوية حسب ما يمكن أن يوفر له من أمن ومنافع. ولذلك فإنهم عندما تعاملوا مع السلطة الفلسطينية كان كل شيء مرهوناً بما يمكن أن توفر لهم السلطة من أمن من خلال تولي مهمة قمع المعارضة الفلسطينية ومنعها من مواصلة الكفاح. ولم يتعاملوا معها بروح الشريك السياسي المكافئ، بقدر ما أرادوا التعامل معها كوكيل يتولى تنفيذ "المهام القذرة" بالنيابة معها. ولذلك عندما اندلعت الانتفاضة ارتفعت الأصوات بوجوب تغيير ياسر عرفات واستبداله، وكأنما هو موظف لديهم، وليس باعتباره شخصاً آخر يمثل شعباً آخر.

 

إن فكرة المشروع الصهيوني نفسه قائمة على إقناع اليهود بتوفير الأمن لهم والذي فقدوه بسبب ظهور المشكلة اليهودية في شرق أوربا، وتداعيات اضطهاد الزعيم الألماني هتلر لهم. ولأن "رأس المال جبان" فإن المشاكل الأمنية تؤدي عادة إلى أزمات اقتصادية، وهروب المال وأصحابه طلباً للسلامة. وهذا يُفسر جانباً من الهجرة اليهودية المعاكسة إلى أوربا وأمريكا بأعداد ضخمة إثر اندلاع انتفاضة الأقصى.

 

وعلى ذلك فإن السلوك "الإسرائيلي" يتجه عادة إلى التشدد والتصلب والقسوة في أثناء الأزمات في سبيل المحافظة على الأمن. لكنه لا يستطيع تحمُّل مشاكل وتحديات أمنية حقيقية ودائمة. وهذا ما يفسر قسوته في الرد لمحاولة حسم الأمور بسرعة. لكن المقاومة إذا صبرت وصمدت واستمرت في ضربها الموجع بحيث جعلت التكاليف "الإسرائيلية" أعلى من المكاسب، فإنه سيرتد ليحاول أن يجد الأمن في التسوية أو الانسحاب بعد أن فشل في إيجاده عبر آلة الحرب. وطبيعة المجتمع الصهيوني لا تميل إلى التضحية والموت في سبيل المبادئ، ولا تتحمل الخسائر البشرية كثيراً. ونقطة الضعف هذه لديهم، هي نقطة القوة لدى المسلمين. وهي التي أدت في النهاية إلى انسحاب الكيان الصهيوني من جنوب لبنان دون قيد أو شرط.

 

وبشكل عام، فمن المتوقع أن يستمر "المجتمع الإسرائيلي" على تشدده وأن تستمر السياسيات الحكومية "الإسرائيلية" على تصلبها وفظاظتها، طالما لا تزال موازين القوى تميل إلى صالحها، وطالما لم تفقد أملها في سحق الانتفاضة. ولذلك فإن قدرة الانتفاضة على الاستمرار ستؤدي إلى سقوط شارون وسقوط الخيار الأمني الإسرائيلي. لكن القيادة السياسية الفلسطينية والعربية - على الأغلب - لن تستثمر ذلك باتجاه مشروع تحرير، وإنما باتجاه تسريع مشروع التسوية نفسه وفق ظروف أفضل بالنسبة لها.

 

انعكاسات مشروع التسوية على المنطقة

حقق المشروع الصهيوني نجاحاً كبيراً عندما عقد اتفاقية التسوية مع مصر أكبر وأقوى البلاد العربية، حيث تمكن من تحييدها وعزلها لسنوات عن محيطها العربي، مما هيأ له فرصة الاستفراد بشكل أفضل في تنفيذ مشروعه في المنطقة، فتضاعفت وتيرة الاستيطان والتهويد في الضفة والقطاع، وتم ضرب البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية في لبنان. في الوقت الذي نحَّى فيه العرب جانباً الخيار العسكري مع خروج مصر من المعركة.

 

على أن توقيع قيادة م.ت.ف على اتفاقات أوسلو (1993)، وتوقيع الأردن على اتفاقات وادي عربة (1994) قد أدخل المنطقة في أوضاع جديدة. وبدا أن الكيان الصهيوني أخذ بالتحول إلى كيان طبيعي في المنطقة ... بينما أخذت تتصاعد وتيرة التطبيع وفتح العلاقات العربية والإسلامية مع الكيان الصهيوني. ولولا أن المقاومة الفلسطينية قد استمرت تحت قيادة حماس والجهاد الإسلامي والمعارضة الفلسطينية، ولولا أن الصهاينة قد استمروا في عنجهيتهم وإرهابهم وتسويفهم، ولولا أن انتفاضة الأقصى قد تفجرت، ولولا أن الشعوب العربية والإسلامية لا تزال ترفض بقوة التعامل مع الكيان اليهودي - الصهيوني لولا ذلك لربما سار التطبيع مسيرة كبيرة.

 

إنه إن قُدِّر لهذا المشروع النجاح وفق التصور "الإسرائيلي" - الأمريكي فإنه سيكون له انعكاسات خطيرة على المنطقة العربية والإسلامية، وبسبب المساحة الضيقة للكتابة في هذه الدراسة فإننا نحيل القارئ الكريم لبعض الدراسات المتخصصة، مثل كتاب التطبيع لغسان حمدان، وغيره كما يظهر في الهامش[73]، ونظهر هنا أبرز الآثار:

 

فمن الآثار السياسية للتسوية:

-  تسويق الكيان الصهيوني ككيان طبيعي في المنطقة، له حق العيش ضمن حدود آمنة، أي حصول الكيان على "شرعية" فلسطينية - عربية.

-  تكريس حالة التجزئة والقطرية والضعف في العالم العربي، وهي حالة لا يمكن أن يستمر الكيان الصهيوني بدونها.

-  إسقاط قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بفلسطين كقرار تقسيم فلسطين، وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أرض 1948.

-  زيادة التوتر داخل الصف الفلسطيني، حيث توجد معارضة قوية واسعة للتسوية.

-  قمع كافة الحركات الإسلامية والوطنية المعارضة للتسوية في البلاد العربية، وقطع الطريق عليها للوصول إلى الحكم وفق الطرق الدستورية.

-  وهذا، سيؤدي تراجع مسار "الديموقراطية" والحريات في العالم العربي، مما سيحدث حالة احتقان وأزمات داخلية كبيرة.

-  هناك مخاوف كبيرة حقيقية من أن تمارس "إسرائيل" دور شرطي المنطقة الذي يحمل عصاه الغليظة لكل من يخرج عن "الطاعة".

-  هناك احتمالات كبيرة أن تستمر البلاد العربية تدور في فلك التبعية للقرار السياسي "الإسرائيلي" - الأمريكي - الغربي.

-  توفير ظروف أفضل للهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة حيث الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي.

وفي الجانب الاقتصادي:

-  سيستفيد الكيان الصهيوني من القدرات المالية الهائلة والإمكانات الاقتصادية التي لديه في محاولة السيطرة على اقتصاديات المنطقة.

-  ستنتهي المقاطعة الاقتصادية العربية - الإسلامية للكيان الصهيوني التي كلفته عشرات المليارات من الدولارات.

-  ستوفر أجواء التسوية فرص نمو اقتصادي أفضل للكيان "الإسرائيلي" وهذا ما حدث فعلاً خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين إذ قفز الناتج القومي "الإسرائيلي" من 15.3 مليار دولار أمريكي سنة 1983 إلى 105.4 مليار سنة 1999، وارتفع دخل الفرد "الإسرائيلي" إلى 18.300 دولار أمريكي ليشكل أحد أعلى الدخول في العالم.

-  سيقوم الكيان الصهيوني بالاستثمار الاقتصادي في المنطقة حيث هناك عمالة أرخص، وشركات غير قادرة على المنافسة، مما يفتح المجال إلى مزيد من الأرباح. وسيكون أقدر على الإضرار بالاقتصاد المحلي لأي دولة عن طريق ضرب الأسعار أو السحب المفاجئ للأموال أو طرد العمال وغير ذلك. وهناك أخبار كثيرة عن نتائج سلبية ومأساوية أحياناً للتعاون الاقتصادي مع الكيان الصهيوني، فقد تحدثت تقارير عديدة عن دمار في محاصيل القمح والقطن المصرية باسم استخدام بذور مستوردة من الكيان الإسرائيلي كما حدث دمار مماثل في محاصيل الطماطم في المغرب للسبب نفسه.

 

وفي الجانب العسكري والأمني:

-  تعمل الدول العربية - وعملت - على منع استخدام أراضيها كقواعد للعمل الفدائي، ومنع أي عمليات فدائية عبرها، وعلى حماية الحدود "الإسرائيلية" من جهتها.

-  تحقيق الهيمنة العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، ومنع الدول العربية من تطوير قدراتها العسكرية.

-  تسهيل النشاط التجسسي "الإسرائيلي" في البلاد العربية تحت غطاء السفارات والسياحة والوفود وغيرها.

 

وفي الجانب الثقافي:

-  إعادة النظر في مناهج التدريس، وحذف الآيات والأحاديث والمواد الدراسية المعادية لليهود والكيان الإسرائيلي (وقد حدثت العديد من المراجعات فعلاً).

-  منع المواد الإعلامية والثقافية التحريضية وخطب الجمعة الموجهة ضد اليهود والكيان الصهيوني.

-  استخدام وسائل الإعلام والثقافة لتقديم صورة إيجابية عن اليهود والكيان الصهيوني.

-  التوقف عن تدريس قضية فلسطين، وعدم الإشارة إلى فلسطين بحدودها التاريخية. وتقديم "إسرائيل" بدلاً عنها ككيان جغرافي مجاور.

-  إلغاء روح الجهاد، وإضعاف روح المقاومة والتضحية واعتبارها إرهاباً.

-  فتح المجال للمواد الثقافية اليهودية والرؤى الصهيونية لغزو عقول العرب والمسلمين.

    وفي الجانب الاجتماعي:

-  استجلاب الكتب والدوريات والبرامج والأفلام الإسرائيلية الصهيونية التي تحمل في جنباتها الكثير من الفساد والتحريض على الرذيلة.

-  ظهرت الكثير من الدلائل على قيام المخابرات "الإسرائيلية" بتعمد ترويج المخدرات في مصر وغيرها.

-  ظهرت العديد من الدلائل على تعمد الصهاينة إرسال شبكات فساد إسرائيلية من العاهرات وبائعات الهوى بقصد إفساد القيم في المجتمع المصري والأردني (اللذين وقعا معاهدتا سلام). كما كشفت حالات تعمد نشر مرض الإيدز، حيث اعترفت عدد من الفتيات اليهوديات بتجنيد الموساد لهن بعد إصابتهن بالإيدز، حيث تم إقناعهن بالذهاب إلى الأندية الليلية ونشر الإيدز باعتباره خدمة قومية للكيان الإسرائيلي، وقد نشرت مجلة المجلة السعودية تحقيقاً عن هذا الموضوع.

تشجيع وتمويل الرحلات واللقاءات الشبابية المختلطة بين الجنسين من عرب ويهود، نشراً للفساد، وتجنيداً للشباب في "الموساد" الإسرائيلي.

 

الحكم الشرعي للتسوية السلمية مع الكيان "الإسرائيلي"

تؤكد معظم فتاوى العلماء المسلمين الموثوقين على حرمة التسوية السياسية مع الكيان الإسرائيلي، وقد كان هناك حالة إجماع على إصدار مثل هذه الفتاوى من العلماء المسلمين المشهورين سواء كانوا رسميين أو غيرهم، وقد استمر ذلك حتى سنة 1977 عندما قام السادات بزيارة إلى الكيان الإسرائيلي حيث صدرت بعض الفتاوى الرسمية من بعض المؤسسات المصرية لدعم موقفه في ضوء المعارضة الشعبية الواسعة في معظم أرجاء العالم الإسلامي. وبشكل عام لجأت الأنظمة لتبرير مواقفها السياسية لتحصيل فتاوى من علماء موظفين لديها. غير أن التيار العام لعلماء المسلمين غير المرتبط بالخوف على الوظيفة والمصلحة استمر في تأكيد تحريم التسوية السلمية إلى وقتنا هذا.

 

وقد صدرت مئات الفتاوى بهذا الصدد منذ قرار الأمم المتحدة إنشاء الكيان الإسرائيلي. وتحمل الفتاوى عادة نفس المضامين الأساسية دونما أي اختلاف جوهري. وأبرز هذه المضامين:

1. إن فلسطين أرض عربية إسلامية.

2. فلسطين ملك لأجيال المسلمين، وليس لأحد حق التنازل عنها كائناً من كان.

3. الجهاد هو طريق التحرير.

4. اليهود الصهاينة معتدون غاصبون، ولا يجوز إقرار الغاصب على ما اغتصبه.

5. ضرورة إعادة القضية إلى هويتها الإسلامية، وتعبئة طاقات الأمة باتجاهها.

 

ومن نماذج الفتاوى، الفتوى التي أصدرها علماء الأزهر إثر قرار تقسيم فلسطين في 29 نوفمبر 1947 والتي جاء فيها "إن قرار هيئة الأمم المتحدة قرار من هيئة لا تملكه، وهو قرار باطل جائر ليس له نصيب من الحق ولا العدالة، ففلسطين ملك العرب والمسلمين ... وليس لأحد كائناً من كان أن ينازعهم فيها أو يمزقها ... اعلموا أن الجهاد قد أصبح فرض عين على كل قادر بنفسه أو ماله، وأن من يتخلف عن هذا الواجب فقد باء بغضب من الله وإثم عظيم"[74].

 

وفي عام يناير 1956 أصدرت لجنة الفتوى في الأزهر فتوى تقول إن "الصلح مع إسرائيل - كما يريده الداعون إليه - لا يجوز شرعاً لما فيه من إقرار الغاصب على الاستمرار في غصبه، والاعتراف بحقية يده على ما اغتصبه، وتمكين المعتدي من البقاء على عدوانه" وأضافت إن على المسلمين "أن يتعاونوا جميعاً على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم لرد هذه البلاد إلى أهلها ...، وأن يعينوا المجاهدين بالسلاح وسائر القوى على الجهاد في هذا السبيل ... ومن قصَّر في ذلك أو فرَّط فيه أو خَذَّل المسلمين عنه أو دعا إلى ما من شأنه تفريق الكلمة وتشتيت الشمل والتمكين لدول الاستعمار والصهيونية من تنفيذ خططهم ضد العرب والإسلام ... فهو - في حكم الإسلام - مفارق جماعة المسلمين ومقترف أعظم الآثام"[75].

 

وجاء في فتوى شيخ الجامع الأزهر ومفتي الديار المصرية الشيخ حسن مأمون "إن ما فعله اليهود في فلسطين هو اعتداء على بلد إسلامي يتعين على أهله أن يردوا هذا الاعتداء بالقوة حتى يُجلوهم عن بلدهم، ويعيدوها إلى حظيرة البلاد الإسلامية وهو فرض عين على كلٍّ منهم، وليس فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الآخرين. ولما كانت البلاد الإسلامية تعتبر كلها داراً لكل مسلم فإن فرضية الجهاد في حالة الاعتداء تكون واقعة على أهلها أولاً، وعلى غيرهم من المسلمين المقيمين في بلاد إسلامية أخرى ثانياً، لأنهم وإن لم يُعتد على بلادهم مباشرة إلا أن الاعتداء قد وقع عليهم بالاعتداء على بلد إسلامي هو جزء من البلاد الإسلامية.

 

... الصلح إذا كان على أساس ردِّ الجزء الذي اعتُدي عليه إلى أهله كان صلحاً جائزاً، وإن كان على إقرار الاعتداء وتثبيته فإنه يكون صلحاً باطلاً، لأنه إقرار لاعتداء باطل، وما يترتب على الباطل يكون باطلاً مثله"[76].

 

وفي فبراير 1968 أصدر العلماء المشاركون في المؤتمر الإسلامي الدولي في باكستان فتوى جاء فيها "أن الصلح مع هؤلاء المحاربين لا يجوز شرعاً، لما فيه من إقرار الغاصب على غصبه، والاعتراف بحقية يده على ما اغتصبه. فلا يجوز للمسلمين أن يصالحوا هؤلاء اليهود المعتدين، لأن ذلك يمكنِّهم من البقاء كدولة في هذه البلاد الإسلامية المقدسة. بل يجب على المسلمين أن يبذلوا قصارى جهودهم لتحرير هذه البلاد"[77].

 

وأعد د. محمد عثمان شبير دراسة حول هذا الموضوع بعنوان "حكم الصلح مع اليهود" سنة 1983، ثم اختصرها على شكل فتوى في أكتوبر 1989 جاء فيها:

 

"أما بعد ... فإن الصلح مع اليهود اليوم لا يجوز شرعاً لعدم توفر أي شرط من شروط عقد الصلح فيه. فقد وضع علماؤنا الأماجد شروطاً ينبغي أن تتوفر في عقد الصلح مع المحاربين من غير المسلمين ومن هذه الشروط:

 

الشرط الأول: أن يتولى عقد الصلح إمام المسلمين أو نائبه، فإن لم يكن فأهل الحل والعقد، ممن تنطبق عليهم المواصفات الشرعية، وإلا اعتبر العقد غير صحيح عند جمهور الفقهاء. وينبغي على إمام المسلمين ألا ينفرد بمثل هذا القرار الخطير، وإنما يجب عليه مراجعة العلماء العاملين الذين نذروا حياتهم لله تعالى ولمصلحة الأمة، وأي قرار يصدر على غير هذه الصفة فلا يصح.

 

والملاحظ اليوم أن قرار الصلح مع اليهود يتخذ في غياب العلماء المخلصين الحريصين على مصلحة الأمة، فلا يتحقق هذا الشرط في الصلح مع اليهود اليوم.

 

الشرط الثاني: أن يتحقق من الصلح مصلحة حقيقية راجحة: كتقوية المسلمين والاستعداد لجولة قادمة.

 

وبتطبيق هذا الشرط على الصلح مع اليهود اليوم، نجد أنه لن يحقق للعرب والمسلمين مصلحة راجحة، وتكون المكاسب الكبرى في هذا الصلح لصالح اليهود، إذ سيحصلون بموجبه على الاعتراف الدولي الكامل بهم، وهذا بالتالي سيؤدي إلى التغلغل الاقتصادي الصهيوني في المنطقة العربية والإسلامية، ونشر الفساد والانحلال في صفوف شباب الأمة، والقيام بدور الشرطي لضرب أي تحرك عربي وإسلامي صادق، وتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة.

 

أما المصلحة التي سيجنيها الشعب الفلسطيني من وراء هذا الصلح فهي إقامة دولة هزيلة على جزء يسير من أرض فلسطين. فهذه المصلحة تتضاءل أمام المصالح التي يحققها الأعداء من وراء الصلح، فلا يتحقق هذا الشرط في الصلح مع اليهود اليوم.

 

الشرط الثالث: أن يخلو عقد الصلح من الشروط الفاسدة، ومثَّل الفقهاء لذلك باقتطاع جزء من دار الإسلام، وإظهار الخمور والخنازير في دار الإسلام.

 

وبتطبيق هذا الشرط على الصلح مع اليهود نجد أنه لا يتحقق فيه، لأن الصلح يقوم على مبدأ "مقايضة الأرض بالسلام" أي لا يمكن أن يتحقق الصلح بدون اقتطاع اليهود للجزء الأكبر من فلسطين. ومن جهة ثانية فإن الصلح سيؤدي إلى اختراق اليهود للمنطقة العربية والإسلامية لنهب ثرواتها، وإفساد شبابها، والقضاء على قوتها العسكرية والمعنوية. فلا يتحقق هذا الشرط في الصلح مع اليهود اليوم.

 

الشرط الرابع: أن يكون عقد الصلح مقدراً بمدة معينة، فلا يصح الصلح المؤبد، وبخاصة مع الغاصبين المعتدين على الأعراض والأديان والمقدسات.

 

وبتطبيق هذا الشرط على الصلح مع اليهود اليوم نجد أنهم يريدونه صلحاً دائماً، يتنازل بموجبه المسلمون عن جزء كبير من الأرض المباركة، ولا يجوز لهم أن يطالبوا بذلك الجزء المقطوع فيما بعد. ولضمان ذلك لا بد أن تكون تلك الدولة التي يسعى إليها رموز الفلسطينيين في الخارج منـزوعة السلاح أو مرتبطة في اتحاد كونفدرالي مع الأردن بحيث، لا تقوم لها قائمة في يوم من الأيام. فلا يتحقق هذا الشرط في الصلح مع اليهود اليوم.

 

فإذا كانت شروط عقد الصلح غير متوفرة في الصلح مع اليهود اليوم فلا يجوز الصلح شرعاً، ولا بد من أن تكون معاملة المسلمين لليهود قائمة على أساس الجهاد، وأنه الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، ويجب على المسلمين أن ينتبهوا جيداً لمخاطر الوجود اليهودي على الأمة الإسلامية، ويحذروا منها حذراً شديداً، ويخلصوا الأمة من السرطان اليهودي الذي غرس في جسمها، لئلا يستفحل أمره وينتشر خطره"[78].

 

وعندما قامت م.ت.ف بعقد مجلسها الوطني التاسع عشر في منتصف نوفمبر 1988، واعترفت بالكيان الإسرائيلي وقرار تقسيم فلسطين، ودخلت بشكل حثيث في عملية التسوية السلمية. قام العشرات من كبار علماء المسلمين والشخصيات الإسلامية المرموقة وقادة الحركات الإسلامية بالتوقيع على فتوى في أواخر عام 1989 بشأن الصلح مع اليهود. وجاءت توقيعات هؤلاء العلماء من 19 بلداً (مصر، وفلسطين، والأردن، وسوريا، ولبنان، والعراق، والكويت، وعُمان، وتركيا، والهند، وأفغانستان، وماليزيا، وباكستان، والجزائر، والمغرب، والسودان، وتونس، وجزر القمر، وغينيا) وشارك في التوقيع الشيخ يوسف القرضاوي ومحمد الغزالي وغيرهما ... وكانت هذه التواقيع هي ما أمكن جمعه على عجل، دونما حملة منسقة مستمرة ... وقد جاء في الفتوى:

 

"ونحن نعلن بما أخذ الله علينا من عهد وميثاق في بيان الحق، أن الجهاد هو السبيل الوحيد لتحرير فلسطين، وأنه لا يجوز بحال من الأحوال الاعتراف لليهود بشبر من أرض فلسطين. وليس لشخص أو جهة أن تُقر اليهود على أرض فلسطين أو تتنازل لهم عن أي جزء منها أو تعترف لهم بأي حقٍّ فيها.

 

إن هذا الاعتراف خيانة لله والرسول وللأمانة التي وكل إلى المسلمين المحافظة عليها ... إننا نوقن بأن فلسطين أرض إسلامية، وستبقى إسلامية، وسيحررها أبطال الإسلام من دنس اليهود كما حررها الفاتح صلاح الدين من دنس الصليبيين. ولتعلمنّ نبأه بعد حين ..."[79].

 

وعندما وقعت قيادة م.ت.ف اتفاقات أوسلو في سبتمبر 1993 تتالت الفتاوى من علماء المسلمين في معظم بلدان العالم الإسلامي والمهجر بعدم جواز عقد الصلح مع الكيان الصهيوني. وكان أبرزها فتوى وقعها معظم العلماء المشار إليهم في الفتوى السابقة مع كثيرين غيرهم. وأصدر علماء فلسطين وعلماء الأردن فتاوى مماثلة.

 

وقد عكست هذا الفتاوى حقيقة أن التيار السائد بين علماء المسلمين (غير الحكوميين الرسميين أي غير المحسوبين على الأنظمة التي تدعم السلام ...) هو تيار رافض للتسوية، ويعتقد بحرمتها من وجهة النظر الشرعية.

 

وتكمن أهمية هذه الفتاوى في تأثيرها الشعبي الواسع على جماهير المسلمين في العالم، وفي أنها تمثل قاعدة انطلاق صلبة للتيارات والحركات الإسلامية التي تتبنى الجهاد طريقاً للتحرير. كما أنها تمثل ركيزة هامة للوقوف في وجه التطبيع وإقامة أية علاقة طبيعية مع الكيان الصهيوني. وبذلك فإنهم تسهم في إبقاء وترسيخ حالة العداء، وتوجد حالة من التوتير الذي يجعل الانفجار في وجه العملية السلمية أمراً محتملاً عندما تنضج الظروف الملائمة له.
 

هوامش الكتاب


 

[1] انظر: أسعد زروق، إسرائيل الكبرى: دراسة في الفكر التوسعي الصهيوني، ط2 (بيروت: مركز الأبحاث (م.ت.ف)، 1973)، ص87-89.

[2] انظر: هند البديري، مرجع سابق، (ملحق الخرائط)، وعبد الوهاب الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، ص112.

[3] نشرت بريطانيا هذا المشروع ضمن ما يعرف بتقرير بيل، انظر: حكومة فلسطين، تقرير اللجنة الملكية: الكتاب الأبيض رقم 5479، النسخة العربية الرسمية (القدس: حكومة فلسطين، 1937).

[4] انظر: الموسوعة الفلسطينية، ج1، ص492-494.

[5] See: Palestine Statement of Policy, May 1939, Cmd. 6019 (London: H. N. S. O., 1939).

[6] انظر: الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، ص300-302، وخلة، مرجع سابق، ص733-743.

[7] الموسوعة الفلسطينية، ج4، ص72.

[8] انظر: فلاح علي، مرجع سابق، ص141، وص181، وص195-197، وص205، وحرب فلسطين 1947-1948 (الرواية الإسرائيلية الرسمية)، ص26، وص87.

[9] الموسوعة الفلسطينية، ج4، ص52-54.

[10] حول رفع قضية فلسطين إلى الأمم المتحدة وصولاً إلى اتخاذ قرار التقسيم، انظر مثلاً: المرجع نفسه، ج1، ص558-563، وانظر:

Zafrul – Islam Khan, Palestine Documents (New Delhi: Pharos Media, 1998), pp.232-268. (Hearafter reduced to as Palestine Documents).

[11] انظر نص القرار في : Palestine Documents, pp.276-279.

[12] انظر حول هذه اللجنة في: الموسوعة الفلسطينية، ج4، ص19-21، ومنير الهور وطارق الموسى، مشاريع التسوية للقضية الفلسطينية 1947-1985، ط2 (عمان (الأردن): دار الجليل، 1986)، ص38-39.

[13] انظر نص القرار في : Palestine Documents, pp.288-289.

[14] حول المشروع النرويجي ومشروع جاما ومشروع جونستون، انظر: الهور، مرجع سابق، ص50-55.

[15] انظر: المرجع نفسه، ص55-57، والموسوعة الفلسطينية، ج2، ص393-394.

[16] انظر: حسين أبو النمل، مرجع سابق، ص84-96.

[17] الهور، مرجع سابق، ص57-58.

[18] المرجع نفسه، ص60-63، والموسوعة الفلسطينية، ج4، ص548-549.

[19] الموسوعة الفلسطينية، ج2، ص110-111.

[20] الهور، مرجع سابق، ص63-64.

[21] المرجع نفسه، ص64.

[22] المرجع نفسه، ص80-82.

[23] انظر: المرجع نفسه، ص84-85، والموسوعة الفلسطينية، ج2، ص183-185، وانظر:

Palestine Documents, pp.296-297.

[24] الموسوعة الفلسطينية، ج2، ص260.

[25]  انظر: الهور، مرجع سابق، ص86-87، وصلاح خلف، مرجع سابق، ص123، وص140.

[26]  حول مهمة يارنج وجولاته، انظر: الهور، مرجع سابق، ص86-113.

[27] حول مشروع روجرز انظر: الهور، مرجع سابق، ص121-127، والموسوعة الفلسطينية، ج2، ص488-490.

[28] الهور، مرجع سابق، ص129.

[29] حوراني، مرجع سابق، ص178-181.

[30] الهور، مرجع سابق، ص136-137، وانظر نص القرار في:

Palestine Documents, pp.307-308.

[31] الهور، مرجع سابق، ص137-139.

[32] المرجع نفسه، ص147-157، والموسوعة الفلسطينية، ج2، ص568-571.

[33] حول هذا الموضوع، انظر: الموسوعة الفلسطينية، ج1، ص552-557.

[34] انظر: صلاح خلف، مرجع سابق، ص104.

[35] انظر: حوراني، مرجع سابق، ص204-216.

[36] انظر: الموسوعة الفلسطينية، ج3، ص595-596، وصلاح خلف، مرجع سابق، ص155-161.

[37] انظر: الموسوعة الفلسطينية، ج4، ص603-606.

[38] المرجع نفسه، ج4، ص115.

[39] حول نصوص كامب ديفيد، انظر: الموسوعة الفلسطينية، ج3، ص625-630، وانظر:

Palestine Documents, pp.337-342.

[40] انظر: بيان م.ت.ف. في: الهور، مرجع سابق، ص195-196.

[41] المرجع نفسه، ص212-213، وقد نشرته جريدة الرأي الأردنية في 15 مايو 1982.

[42] انظر: الهور، مرجع سابق، ص215-218.

[43] انظر: المرجع نفسه، ص218-222، وانظر: Palestine Documents, p.373, pp.381-383.

[44] الهور، مرجع سابق، ص222-223، وانظر: Palestine Documents, pp.383-384.

[45] انظر: الهور، مرجع سابق، ص226.

[46] المرجع نفسه، ص230-231.

[47] غطت الصحافة العربية بكثير من الاهتمام هذا المجلس وقراراته، انظر مثلاً صحف، القبس والوطن والأنباء الكويتية، 13-16 نوفمبر 1988، وانظر نص القرارات الإنجليزية في: Palestine Documents, pp.410-418.

[48] انظر صحف القبس والوطن والأنباء، 8، و 5-17 ديسمبر 1988.

[49] انظر نص المشروع في: Palestine Documents, pp.424-428.

[50] حول مؤتمر مدريد للسلام والمفاوضات التي حدثت في إطاره، انظر، جواد الحمد، "مشاريع التسوية السلمية للصراع العربي-الإسرائيلي وعملية السلام في الشرق الأوسط"، في المدخل إلى القضية الفلسطينية، ص484-492، وانظر: Palestine Documents, pp.463-484.

[51] انظر نص الاتفاق في: عماد يوسف، الانعكاسات السياسية لاتفاقات الحكم الذاتي الفلسطيني (عمان (الأردن): مركز دراسات الشرق الأوسط، 1994)، ص128-136، وانظر: Palestine Documents, pp.500-512.

[52] امتلأت الصحف العربية والعالمية بآلاف المقالات التي تحلل الاتفاقيات، وتمدحها أو تنقدها، كما ظهرت الكثير من الكتب والدراسات مما يستحيل الإشارة إليه في الهامش. انظر على سبيل المثال: منير شفيق، أوسلو "1" "2": المسار والمآل (لندن: فلسطين المسلمة، 1997)، وجواد الحمد، عملية السلام في الشرق الأوسط: وتطبيقاتها على المسارين الفلسطنيي والأردني (عمان (الأردن): مركز دراسات الشرق الأوسط)، 1996، ص15-71.

[53] انظر: الدستور، 4-5 مايو 1994، وداود سليمان، السلطة الوطنية في عام 1994-1995 (عمان (الأردن): مركز دراسات الشرق الأوسط، 1995)، ص23، وانظر نص الاتفاق في: Palestine Documents, pp.521-534.

[54] جواد الحمد، عملية السلام في الشرق الأوسط، ص43-44. وانظر النص الإنجليزي للاتفاق في: Palestine Documents, pp.603-815.

[55] انظر صحف: القدس العربي، والخليج، والرأي، 16 يناير 1997، وفلسطين المسلمة، فبراير 1997.

[56] انظر: القدس العربي، والخليج، 24 أكتوبر 1998، وفلسطين المسلمة، ديسمبر 1998.

[57] انظر: القدس العربي، والخليج، 5 سبتمبر 1999، وفلسطين المسلمة، أكتوبر 1999.

[58] انظر: الرأي، 22 مارس 2000.

[59] جريدة الاتحاد (الإمارات)، 7 فبراير 2000.

[60] الخليج، 8 إبريل 2000.

[61] الخليج، 24 يونيو 2000.

[62] الخليج، 24 يونيو 2000.

[63] الخليج، 26 يونيو 2000.

[64] الخليج، 26 يونيو 2000.

[65] الخليج، 20 يوليو 2000.

[66] الخليج، 22 يوليو 2000.

[67] الخليج، 22 يوليو 2000.

[68] الخليج، 26 يوليو 2000.

[69] الخليج، 3 يناير 2001.

[70] هذه الأخبار وغيرها من الأخبار المماثلة تنشر عادة في اليوم التالي في الصحف العربية والعالمية، بحيث تصبح معلومات يعرفها الجميع، وقد اخترنا صحيفة الخليج مصدراً أساسياً للأخبار، واهتممنا بتوثيق تلك الأخبار والتصريحات الهامة التي قد لا يتنبه لها القارئ المتخصص، وينصح القارئ المهتم بمتابعة تطورات لأحداث لقضية فلسطين بالرجوع إلى اليوميات التي يحررها موقع passia.org على الانترنت تحت عنوان Chronology, Palestine facts.

[71] الخليج، 9 يناير 2001.

[72] انظر: يوميات 27 يناير 2001 تحت عنوان: Recentments في موقع: passia.org.

[73] انظر: غسان حمدان، التطبيع، (بيروت: دار الأمان، 1989)، ومنير شفيق، اتفاق أوسلو وتداعياته (لندن: فلسطين المسلمة، 1994)، وإدوارد سعيد، أوسلو 2: سلام بلا أرض (القاهرة: دار المستقبل العربي، 1995).

[74] فتوى علماء المسلمين بتحريم التنازل عن أي جزء من فلسطين (الكويت: جمعية الإصلاح الاجتماعي، 1990)، ص47-50.

[75] المرجع نفسه، ص53-59.

[76] المرجع نفسه، ص63-66.

[77] المرجع نفسه، ص69-73.

[78] المرجع نفسه، ص79-81، وانظر الدراسات كاملة في: محمد عثمان شبير، حكم الصلح مع اليهود (الكويت: الرابطة الإسلامية لطلبة فلسطين، 1983).

[79] فتوى علماء المسلمين، ص16-24.